خالد الزرقاني : كيف باعت فارس “مَلِك إسرائيل” ونظامه
على كل حال, قرأت قبل أيام مقالة جميلة للأستاذ داود البصري منشورة على هذه الصفحات تحت عنوان “هل سيبيع الإيرانيون النظام السوري?” والصورة كما أراها إن عملية البيع تمت ونحن الآن في مرحلة ضمانات ما بعد البيع. فالنظام السوري أو مَلِك إسرائيل كما أسمته “هآرتس الإسرائيلية” الذي حول بلاد الكنعانيين إلى سجن كبير ومنعهم من الاقتراب من مملكة أورشليم ودعم كورش والأخمينيين في هزم بابل وساهم في محاصرة اللاجئين العيلاميين, أصبح اليوم وحيداً على الأقل بما يخص الحليف الفارسي.
إيران حاربت عن النظام السوري بل أرسلت عبر “حزب الله” المقاتلين لقمع الثورة في سورية مالياً ضخت ستة مليارات دولار نقداً في الاقتصاد السوري للحؤول دون انهيار الليرة السورية, بالإضافة إلى ثلاثة مليارات أخرى كإستثمارات, كما دعمت النظام في قطاع السياحة عبر إرسال مليون سائح عقائدي سنوياً. هذا وحسب المجلة الإسبوعية التركية فقد قدمت إيران مساعدات غير مشروطة بالإضافة إلى 300 ألف برميل من النفط “الأحوازي” مجاناً لمنع سقوط النظام في سورية. في حين كانت تضغط على المالكي لتقديم مليارات الدولارات للنظام في دمشق وهو ما تم الكشف عنه من قبل سياسيين عراقيين. فيما نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية اخيراً تقريراً مستنداً لمصادر أميركية أن طهران تمارس ضغوطاً كبيرة على بغداد لتصدير قسم من النفط العراقي عبر الأراضي السورية ليصبح ذلك مصدر دخل إضافي لنظام بشار الاسد الدموي. كان ضمن الدعم الإيراني المقدم كذلك عدد من الفتاوى الدينية التي أصدرت ومنها فتوى لأحد أكبر مراجع الدين الشيعة في قم وهو مكارم شيرازي يعلن فيها أن مساندة النظام السوري واجب ديني وموقف خامنئي الصريح من إن الثورة في سورية مؤامرة! لكن منذ بداية أغسطس الماضي بدأت القيادة الإيرانية بالاقتناع أكثر بأن كل أشكال الدعم المالي والاستخباراتي والعسكري والسياسي للنظام لا يمكنها منع سقوطه النهائي.
التفاهمات الإيرانية مع أميركا – إسرائيل معقدة, طويلة جداً ومتقلبة حسب تقلب المصالح الإيرانية والحاجة الأميركية تغيرت بشكل أو بآخر منذ يونيو 2007 تفاهمات بغداد (المنطقة الخضراء), ثم تفاهمات القاهرة (اللقاء الثنائي) الأول أكتوبر من 2009 بين سلطانية وشلمو بن عامي التي بنيت على “وديعة جورج بوش”, وأخيراً تفاهمات الدوحة في فبراير 2010 والتي سأبينها بالتفاصيل والمرحلة الأخيرة وهي “الحوار السري الإيراني الأميركي” الذي كشفت عنه مصادر صحافية نهاية يوليو الماضي بعد الصلح بين رفسنجاني وخامنئي وأخذ الأخير بنصائحه بعد وقف تجميده كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام.
انقلاب مفاجئ !
الانقلاب الشامل في علاقة إيران مع النظام السوري الحليف بدأ من قطر ففي منتصف فبراير 2010 ذهب رئيس مكتب نجاد, وصهره اسفنديار رحيم مشائي إلى الدوحة بالتزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون, وكشفت أوساط إيرانية على رأسها محمد مطهري وهو نجل المرجع الإيراني مهدي مطهري, بأن الزيارة هذه تأتي في إطار الحوار السري الإيراني مع أميركا بوساطة قطرية وإن هذا التقارب السري يأتي لتسوية كل الملفات العالقة بين الجانبين. فقد كانت نتيجة كل التفاهمات الإيرانية- الأميركية 2006 – 2011 م زيارة أمير قطر الشيخ حمد آل ثاني لطهران في 25 أغسطس الماضي, وإعلانه قبيل مغادرته طهران أن الحل الأمني في سورية أثبت فشله, وأنه لا يبدو أن الشعب السوري سوف يتراجع عن مطالبه بعد ما دفعه من ثمن. سبق الموقف القطري بيوم وفي إشارة واضحة لبشار ونظامه قول نجاد بأنه “عندما تكون هناك مشكلة بين الشعوب والقادة , يجب عليهم الجلوس معا للتوصل إلى حل , بعيدا عن العنف !” وهو موقف إيراني نادر في انتقاد نظام دمشق. تبع ذلك في 27 أغسطس تصريح علي أكبر صالحي وزير خارجية إيران بأن على الحكومة السورية تلبية المطالب المشروعة لشعبها. وفي الأول من سبتمبر نقلت وكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” بأن نواباً ايرانيين أصبحوا يحرضون حكومتهم على التخلي عن النظام السوري فقد قال أحدهم بأنه يتعين على إيران دعم المتظاهرين السوريين بدلاً من الوقوف في صف الحكومة.
أسباب بيع الحليف الرئيسي
أفادت “لوفيغارو” الفرنسية في 29 أغسطس الماضي بأن إيران أدارت ظهرهاً فعلاً لبشار ونظامه بحيث أجتمع أخيراً مسؤولون إيرانيون بممثلي المعارضة السورية في عاصمة أوروبية (باريس) بعد أن اعترفوا بأن سقوط النظام نهاية مقبولة بعد أكثر من ستة أشهر من الثورة الشعبية وقام الإيرانيون بالاستفسار عن مدى نفوذ الجهات الإسلامية في قيادة المعارضة السورية وعن طبيعة علاقاتها المحتملة مع وكيلها بالمنطقة “حزب الله” وخططها المستقبلية في فترة ما بعد بشار وأضافت لوفيغارو أن حزب الله يفكر كذلك بالاتصال بالمعارضة السورية !”
إذا لماذا التزمت إسرائيل الصمت وإيران في الأشهر الأربعة الأولى من الثورة بشكل شبه كامل تقريباً? الإجابة تكمن بالخوف من انهيار نظام يجتمع الإيرانيون والإسرائيليون بمصلحة بقائه, وكذلك ترقب ما ستؤول الأمور وهل سيتمكن من تحمل زخم الثورة. ولكن في الشهرين الماضيين توصل الاسرائيليون إلى إن نظام الأسد آيل للسقوط وفي تلك الأثناء أيقن الإيرانيون تلك النتيجة من خلال تواجدهم الإستخباراتي واتصالاتهم المباشرة وغير المباشرة بإسرائيل وأميركا والغرب ومن المعروف بأن سياسة إيران براغماتية لا تقبل أن تكون إلا مع الرابح لضمان مصالحها في المنطقة فكان التسليم بقرب نهاية نظام دمشق وضرورة العمل على تأمين مكان إيران في سورية ما بعد الثورة.
الثمن الذي ستقبضه إيران.
يقول الكاتب عصام عبدالله بأنه قد سربت مصادر موثقة بعض المعلومات عن حقيقة ما دار في 25 أغسطس الماضي بين أحمدي نجاد وأمير قطر في طهران, حيث عرضت قطر صفقة أميركية تحصل طهران بموجبها على نفوذ أكبر في العراق, مع ضمانات بأن مصالح إيران في الشرق الأوسط لن تمس مقابل التخلي النهائي والتام عن نظام بشار. وأرى أن مواضيع مهمة كالرفع التدريجي لما تسمى العقوبات الدولية والإعتراف بإيران كقوة إقليمية أساسية وعرض إستثمار شركات البترول الغربية في الأحواز كانت من ضمن الوعود الأميركية لإيران. وقد كشف مصدر في قوى “14 آذار” اللبنانية في 30 أغسطس بأن هنالك حواراً إيراني – أميركياً بعد تسريب مسؤولين إيرانيين بأن النظام السوري سيلقى مصيره المحتوم وإن إيران عرضت على واشنطن أطلاق اليد الإيرانية في العراق وحماية حزب الله من خلال تسوية شاملة تنسحب على سلاحه ويتم اقتراح الذهاب إلى المثالثة “السنية – الشيعية – المسيحية” للنظام السياسي اللبناني مقابل التسليم بسلطة الدولة اللبنانية وعدم التدخل الإيراني في الموضوع السوري على قاعدة إن طهران ودمشق حليفان طبيعيان وإن من يتسلم السلطة في سورية سيكون تلقائياً الحلف الأول للإيرانيين. ومن هنا يجب دعم الثورة السورية وقياداتها الوطنية في الداخل والخارج لإغلاق أي محاولات إيرانية لسرقة الثورة السورية والاستعداد لأي مواقف إيرانية مفاجئة فالإيرانيون يغيرون حساباتهم كلما وجدوا مصلحة في ذلك وكل ما نتمناه ألا تكون صفقة أوباما – خامنئي على حساب الأمن القومي العربي!
هل نحن أمام نظام عالمي جديد "يحمل طابع الدين الاسلامي" / سوسن زهدي شاهين
المختصر/ اتذكر اننا عندما كنا اطفال كان يتم الحديث عن النظام العالمي الجديد " انظام الرأس مالي " الذي عقب " انهيار " النظام الاشتراكي" تحول العالم من " نظام الحرب الباردة " المتمركز حول الانقسام والأسوار إلى نظام العولمة المتمركز حول الاندماج وشبكات الإنترنت " تتبادل فيه المعلومات والأفكار والرساميل بكل يسر وسهولة" .اي ان يصبح العالم قرية صغيرة " العالم المسطح او العائم" وهو لفظة العولمة التي هي ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Globalization ( . وكلمة «نظام» هي ترجمة لكلمة «Order» الإنجليزية المشتقة من الكلمة اللاتينية Order بمعنى «خط مستقيم ونظام». والكلمة مبهمة للغاية تعني مثلاً «الترتيب المنظم والمتواتر» و «هرم السلطة والقوة الذي يتم بمقتضاه تطبيق أحكام بعينها وفرضها» و «الالتزام بالقانون» و «الدرجة أو الطبقة أو المرتبة» و «الطلب» و «ضرب أو نوع أو طراز». ولكن الكلمة أيضاً مرادفة لكلمة «motiod» و «system» كما في عبارة «the order of nature» أو the order » of tings بمعنى «نظام الطبيعة» (أو «سنن الطبيعة» في المصطلح الإسلامي).
لم نكن نفهم ما هي العولمة ، لاننا كنا مجرد اطفال يعيشون اغتراب الهوية يبحثون عن مكان للاحتماء او حتى اللعب هذا الكلام اقوله كاي طفل فلسطيني عايش الانتفاضة الاولى وكبر وترعرع في فترات السلام واصبح شاب ويافع في الانتفاضة الثانية ، كانسان عايش الحرب والسلم والحرب والسلم في عملية كر وفر هنا وهناك " وبقي عالق في عقله اسم " النظام العالمي الجديد وهو مصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطاب وجهه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج «بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس 1990م» وفي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدث عن فكرة «عصر جديد»، و «حقبة للحرية»، و «زمن للسلام لكل الشعوب». وبعد ذلك بأقل من شهر «11 سبتمبر 1990م»، أشار إلى إقامة «نظام عالمي جديد» يكون متحرراً من الإرهاب، فعالاً في البحث عن العدل، وأكثر أمناً في طلب السلام؛ عصر تستطيع فيه كل أمم العالم غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم ! ولم نشهد لا تناغم ولا غيرة سوى قتل ودمار وتشريد ولم يحمل الى القهر للعالم والظلم لطرف الآخر واعلاء كلمة واحدة لدين واحد ولون واحد معتبر الطرف الآخر ارهابي يجب القضاء عليه .
ونحن نلخص أسباب ظهور النظام العالمي الجديد التي هي دافع ايضا لفشله فيما يلي:
1. أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية، وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة. وهذا السبب الذي كان دافع لنشوء النظام العالمي الجديد سيكون دافع الى انهيارة فاكبر راعي الى هذا النظام وهي الولايات المتحدة الامريكية تعاني من ازمة اقتصادية خانقة وايضا من نسب عاليه في الفقر والجوع والبطالة لدى الشباب وبالاخص بين الفئة اصحاب البشرة السوداء مما سيتيح في الوقت القريب الى هذه الفقرة الفقيرة ان تثور من اجل لقمة عيشها متأثرة بالربيع العربي الذي من حولها والذي يركز عليه الاعلام الامريكي وان الشعوب العربية تنادي بالديمقراطية التي كانت مطلب الولايات المتحدة الامريكية متجاهلين ان هذا خطير لانه شعوبهم ستطلب الحرية منهم عاجلا ام آجلا وما سيفاقم الأزمة هو حالة الإنكار لحالة الركود الراهنة، وعدم الاعتراف بالجذور الضاربة عميقاً في المجتمع الأميركي لهذه الأزمة! ولذلك فإن أميركا ستمرّ في حالة انتقالية ما من أحد مستعد لها! وسيثورون فقرائها؟وهنا تكون بداية الانهيار لهم، إذ إن الطبقة الوسطى في أميركا والعالم قد تتولى قيادة الثورة الجديدة. بسبب تضخم عدد الفقراء والمشردين بوتيرة لم نشهد لها مثيلاً من قبل ناهيك عن انتشار الجريمة بأشكال أكثر شراسة بفعل انتشار المخدرات وجرائم القتل ، مما يشير الى إن الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والطبقة الوسطى ستقود الى الثورة الحتمية التي لا رجعة عنها . سواء بالولايات المتحدة او حتى اوروبا التي تؤمن بهذا النظام.
2. أدرك الغرب استحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث التي أصبحت جماهيرها أكثر صحواً ونخبها أكثر حركية وصقلاً وفهماً لقواعد اللعبة الدولية. فهاهو الربيع العربي والاسلامي بدا يتحرك على المنطقة العربية . وقد تحول المواطن العربي من الدفاع عن نفسه انه مجرد ارهابي الى مدافع عن حقه مدين للأخرين ومدافع عن دينه ويرفض القمع من قبل انظمة تم تسيسها لسيطرة على عقل المواطن العربي
3. أدرك الغرب أنه على الرغم من هذه الصحوة، فإن ثمة عوامل تفكك بدأت تظهر في دول العالم الثالث، حيث ظهرت نخب محلية مستوعبة تماماً في المنظومة القيمية والمعرفية والاستهلاكية الغربية يمكنه أن يتعاون معها ويجندها، وهي نُخب يمكن أن تحقق له من خلال السلام والاستسلام ما فشل في تحقيقه من خلال الغزو العسكري. لكل هذا قرر الغرب أن يلجأ للالتفاف بدلاً من المواجهة، وبذا يستطيع حل إشكالية عجزه عن المواجهة ويتخلى عن مركزيته الواضحة وهيمنته المعلنة ليحل محلها هيمنة بنيوية تغطيها ديباجات العدل والسلام والديمقراطية التي ينقلها البعض بغبائيه مذهلة.
اذا كان انهيار الاتحاد السوفياتي، وما تشهده المنطقة العربية اليوم من ثورات، يأتيان في سياق حتمية تاريخية واحدة تندرج في سياق التوق للحرية وثورة الجياع والفقراء ، فذلك يعني أن النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية هو اليوم في طريقه الى الانهيار، ليفسح في المجال أمام نظام عالمي جديد لم تظهر ملامحه بعد ولربما هو يحمل الدين والتطرف ولن يكون بالمدى البعيد بل على المدى القريب بعد ان ينتهي العالم من ترتيب اوراقه التي سترسمها القوى الجديدة ولربما الاسلامية منها!
وهنا لا نستطيع ان نتجاهل ان الدين الاسلامي وكتاب الله عزه وجل القرآن الكريم قد تنبأ قبل الآلاف السنين بإنهيار هذه الانظمة وحتمية زوالها وقد أنبأنا ايضا بحتمية انهيار دولة اسرائيل وظهور دولة اسلامية وفتح القدس على ايدي المسلمين مرة اخرى واعلان الدولة الاسلامية فحتمية الدولة الفلسطينية مرهونه بحتمية اعلان الدولة الاسلامية وفتح القدس وانهيار اسرائيل التي ابتدأت ملامح انهيارها ترسم الآن مع العالم وقد ورد ذلك في سورة الاسراء الاية "4-8"
قال الله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً{4} فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً{5} ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً{6} إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً{7} عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} صدق الله العظيم .
فإن فسادهم في المرة الثانية هو ما نراه الآن أمامنا من فساد اليهود في العالم بأسره فهم سبب فساد أوربا والعالم بأسره وسيقضي على هذا الفساد بإذن الله حين قدوم رسول السلام السيد المسيح عليه السلام إذ وعد الله بالنصر المؤزر بقوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}. سورة آل عمران (55).
ففسادهم في المرة الثانية لا يمكن أن يستمر فقد حان وقت هلاكهم إلا من يؤمن منهم لقوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام. {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} سورة النساء (159). ويبقى الله سبحانه وتعالى اعلى واعلم .
المصدر: دنيا الوطن
الأدمغة العربية الأسيرة: حميدان التركي نموذجاً / د.خالد صالح الحميدي
المختصر / قصص محيِّرة نسمعها، أو نقرأ عنها، بين الحين والآخر، دون أن ندقق السمع والنظر فيها، تحكي عن عرب، جلهم مسلمون، برعوا في شتى الحقول، خاصة العلمية، ولكنهم، قُتِّلوا أو سجنوا، أو لم يعد يُسمع لهم خبراً!
ابن صديق لي، في إحدى البلاد العربية، درس في إحدى الجامعات الأوروبية، نبغ في الرياضيات، فطُلب منه التدريس في نفس الجامعة، ولكنه اعتذر.. ففُبركت له بعض الإشكالات والإزعاجات.. ما أدى بوالده أن يستدعيه للعودة، ثم أرسلت له شهادة التخرج بالبريد، فرح بها، ولكنه، حنّ للعودة للجامعة، فعاد، وهناك كانت المصيبة، حيث دُبر له جو من الاستمتاع بالمحرمات حتى أدمن، فانزوى حتى مات وهو في بدايات حياته!
وآخر، برع في علم الذرة، وهو لغاية الآن يعمل لحساب الغرب، حتى إذا أراد أن يرى أهله وأقرباءه سُفِّر على متن طائرة خاصة إلى إحدى القواعد العسكرية للاجتماع بهم ومن ثم العودة على نفس الطائرة!
قصص كثيرة نسمعها عن "الأدمغة العربية" التي برعت في مجالات شتى.. ولكنها، لم تلاق تشجيعاً في بلدانها، وعالم عربي غارق بالمتاهات والفقر والأمية.
ضمن هذا السياق، قد تتشكل قصة حميدان التركي، حيث، للآن، ترفض لجنة الاستئناف ترحيله إلى السعودية، بل، تم تأجيل النظر في ذلك لمدة سنة كاملة!
قصة حميدان من تلك القصص المحيِّرة! فهو مبتعث سعودي للحصول على الدكتوراه، بعد أن حصل على الماجستير في الصوتيات، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وحصوله على "جائزة الأمير بندر بن سلطان للتفوق العلمي".
أخذ حميدان زوجته وأبناءه الخمسة معه إلى أميركا، وتميَّز بنشاط اجتماعي ملحوظ، حيث ترأس المدرسة السعودية، ومدرسة الهلال الإسلامية، بالإضافة لترؤسه مجلس مسجد "بولدر"، وامتلك داراً للنشر الصوتي، مما جعل له الكثير من الأصدقاء.
وبعد 11 سبتمبر عرضت المباحث الفيدرالية على حميدان أن يتعاون معها في بعض الأمور المتعلقة بالتقنية الصوتية كونه متفوقاً في هذا المجال، خاصة أن هذا العِلم أثبت أن البصمة الصوتية لا تتكرَّر لأكثر من شخص تماماً كبصمة الأصبع، وأن علماء الصوتيات قادرون على تمييز الصوت الأصلي من الصوت المزور، فرفض حميدان.. عندها، هدَّده مكتب التحقيقات الفيدرالي.. وبدأت المشكلات.
ففي نوفمبر 2004 تم اقتياده وزوجته، والخادمة الإندونيسية، إلى السجن بتهمة مخالفة الخادمة لقانون الهجرة، وبقي الأبناء الخمسة في المنزل دون رعاية.. هذا في أمريكا!؟ وفي التحقيق أفادت الخادمة أن أسرة حميدان تعاملها كفرد من أفراد الأسرة، فتم الإفراج عن حميدان وزوجته بكفالة مالية، ولكن، جرى التحفظ على الخادمة التي استمر الضغط عليها لتغيِّر أقوالها وتدَّعي بأن حميدان تحرَّش بها جنسياً وأساء معاملتها، فرضخت وانصاعت لتحصل على تعويض مادي، مع إقامة، ووعود بعدم محاكمتها، كونها مخالفة لأنظمة الهجرة، وبناءً على ذلك، تم القبض على حميدان وزوجته واتهامهما بالتهم الجديدة، وكشرط تعجيزي، طلبت المحكمة كفالة 150 ألف دولار للزوجة و400 ألف دولار لحميدان، وقامت حكومة خادم الحرمين الشريفين بدفع هذه المبالغ.
ثم، حين قررت الخادمة الإندونيسية التراجع عن أقوالها تلقت تهديداً إن فعلت ذلك، فتمسكت باتهاماتها السابقة، فحكمت المحكمة على حميدان بالسجن 28 عاماً، ثم صدر تخفيف إلى 8 سنوات، يُستدعى بعدها، فإن أقرَّ بذنبه يطلق سراحه، أو يتحول الحكم إلى: السجن مدى الحياة!؟
ولم تنته المأساة هنا، بل، كما يفيد حميدان، قامت السلطات بحلق لحيته! وبتثبيت حلقات صاعقة بجسده، كما وضع في سجن انفرادي، ثم تم نقلة إلى سجن آخر، كل ذلك دون إبلاغ محاميه أو أهله. لا بل، قام الادعاء بإسقاط الدعوى المرفوعة على حميدان في المحكمة الفيدرالية لكي يتم إضعاف سلطة وزير العدل الأمريكي، بحيث لا يتمكن من التدخل إذا تحولت القضية إلى المحكمة الفيدرالية، لأن حكومة المملكة تمارس الضغط على مستويات عالية لإنهاء هذه القضية.
يبقى أن حميدان باشر بتعليم السجناء اللغة العربية فور نقله لسجنه الجديد، بعد أن ألقى كلمة مؤثرة أمام المحكمة.. عظيم هو كسائر العظماء في سجونهم!
فهل نسمع، مع الأيام، بسجن شخص آخر بسبب مزاعم واتهامات لا تمت للحقيقة بصلة؟
المصدر: الاقتصادية
مختصر كتاب المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية
مختصر كتاب
المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية
تأليف
أ.د. عبدالرحمن بن زيد الزنيدي
المقدمة
منذ نصف قرن ظهرت توجهات نمو حضاري منفعلة بالوضع الحضاري الغربي ثقافياً ومدنياً وبرز المثقف في العالم العربي والإسلامي بصفته مجدداً لدور العالم الشرعي - الذي انحسر دورة - في توجيه حراك المجتمع مضاهياً رجال الفـــكر والفلسفة والأدب الغربيين الذين يمارسون أدوار قيادية في مجتمعاتهم.
كان هذا المثقف يركن إلى هويته الإسلامية أو على الأقل لا يقطع معها فضلاً أن يصادمها كما في مدرسة الإحياء (الأفغاني عبده الكواكب ) ثم خلفه من بعد أولئك خلف انخرطوا في مسار العصر وهو عصر الغرب وتماهو مع الفكر الغربي الاستعماري وتركة الاستعمار من بعده.
كان هناك صوت ثقافي مناهض لهذا المسار العصراني يمثل تواصل مدرسة الإحياء ولكنه كان ضعيفاً ثم صار يتقوى شيئا فشيئاً حتى بدأ يتجلى في نخبة مثقفة متميزة في مرجعيتها وهكذا تشكلت في المجتمع العربي نخبتان مثقفتان عصرانية وأخرى إسلامية.
نحن في الربع الثاني من القرن الخامس عشر ومنذ ما يقارب الثلاثة عقود صار واضحاً وجود تغير في الساحـــة .
النخبة العصرانية تتوالى انكساراتها ويعلن كثير من قوادهـــا إفلاسها تحت عناوين السقوط والأزمـــة والفـــشل والنخبة الإسلامية بفعل هذا الانهيار وتعملق الصحوة تكثف حضورها وانفتحت أمامها مجالات الحراك الثقافي بأوسع من قدرتها الاستيعابية.
لكن إفلاس النخبة العصرانية لا يعني نهايتها خاصة محاولات اختراق الصحوة ومواصلة التفكيك الثقافي في المجتمع العربي واستثمار هيمنة الليبرالية.
هذا البحث ذو بعدين نظري وواقعي .
البعد النظري حول الثقافة والمثقف مفاهيمه وعناصره التي هي: صنعة فكرية وواقعية اجتماعية ونزعة نقدية .
وفي المثقف المسلم يضاف ولاء للإسلام وقناعة بمنهجه وفقه.
والبعد التطبيقي هو تأمل في النخبتين من حيث مواصفات النخبة المستحقة للريادة.
الفصـــل الأول
{ الثقافة والمثقف والنخبة المثقفة}
المبحث الأول
الثقافـــة
الثقافة بمعناها العام التحصيل ثم لها معاني ذاتية وأخرى تفاعلية مع سواها وخلاصة الدلالة اللغوية :
1- التفوق الفكري هبة أو كسبا كما قال ابن خلدون [ ولا يفرق بينهم وبين السوقة إلا في الثقافة والشارة]
2- تقويم الأشياء لتستوي سواء كانت مادية أو معنوية.
قال سلامة موسى: كنت أول من أفشى لفظ الثقافة في الأدب العربي وانتحلتها من ابن خلدون إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه باللفظ الأوروبي.
أبرز التعريفات الغربية تعريف تايلور:
ذلك الكل المركب (بعض الترجمات تقول المعقد) الذي يضم المعرفة ، والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والتقاليد وكل العادات والقدرات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع .
وفي هذا التعريف خمسة عناصر مهمة :
البعد الإنساني – بناء متكامل – اجتماعية – واقع فكري وسلوكي – مميزة لمجتمع .
تعريف اليونسكو : جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم و التقاليد والمعتقدات.
تعريف ندوة الأمم المتحدة: طريقة الشعب الخاصة في الحياة وموقفه منها وآراءه فيها وفلسفته فيها ثم تصوره لوضعه في الحياة.
تعريف مالك بن نبي : مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لاشعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه.
تعريف الثقافة الإسلامية : العلم بمنهاج الإسلام الشمولي في القيم والنظم والفكر ونقد التراث الإنساني فيها .
من الترجمات اللغوية للثقافة :
الشاكلة [ قل كل يعمل على شاكلته ]
الصبغة [ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغه ]
عناصر الثقافة الأساسية :
تفسير الوجود – القيم – النظم التشريعية في جوانب الحياة.
تفسير الوجود : هو التصورات الذهنية التي تكون إجابات على الأسئلة الكبرى الفطرية عن أصل الإنسان وحقيقته ومصيره ووجوده وموقعه وعن الكون وما وراءه.
القيم : هي المعايير التي يتعامل بها الإنسان مع الحـــياة ويرتفع بها عن الحيوان وهي قيم خلقية وجمالية وفكرية.
النظم : هي العبادات والتعاملات والحياة الاجتماعية سياسية واقتصادية ومنها القوانين والتقاليد
خصائص الثقافة:
التكامل البنيوي بين عناصرها – الحيوية الواقعية – المعيارية – موصوفة (يعني خاصة(
الثقافة الإسلامية :
هي العناصر الثلاثة تفسير الوجود والقيم والنظم بصورتها الشمولية المترابطة من حيث هي مستمدة من تعاليم الإسلام أو مستندة إليها .
هل الثقافة الإسلامية هي العلوم النقلية ؟
أهم خاصيتين منهجيتين للثقافة هما الشمولية والواقعية وإذا نظرنا للعلوم النقلية نجد أن لها صورتين تاريخيتين :
الأولى : كان العلم مستمداً من الوحي فيتجه مباشرة للحياة في كل جوانبها لإصلاحها .
الثانية : ما آل إليه العلم الشرعي : من معارف نظرية تخصصية يعالج فيها العالم جانباً واحداً ينحصر فيه بعيداً عن الفنون الأخرى من العلم الشرعي ومنعزلاً عن واقع الحياة العملي انعزالا فكريا.
الثقافة الإسلامية تطابق الأول دون الثانيً .
الثقافة والدين
في البلاد العربية سعي لحل العلاقة بين الثقافة والدين لتتجلى الثقافة في الأدب والفن في صوره المنفصمة عن الدين .
فجعلوا الوسيلة غاية ...
يقول أرنولد توينبي: ( إن الدين جزء من الثقافة) وقال إليوت: (إن الثقافه ليست إلا تجسيما للدين) .
الأعراف والتقاليد والفنون ونحوها من المنتجات الاجتماعية التي لم تستمد من الدين لا إشكال فيها إذا استحضرنا الخاصية الثالثة للثقافة وهي أن في أي ثقافة معايير عليا تحكم متغيرات التقاليد والأدب ومن ثم قبول التقاليد إذا وافقت المعايير.. فمثلا الديمقراطية يمكن إدماجها في الثقافة الإسلامية بصياغتها وفق معايير الثقافة الإسلامية لكن المثلية والشذوذ لن تجد مأوى في ثقافتنا .
الثقافــة والعلم التجريبي :
حيادية العلم التقني وعالميته أصبحت وهما فالارتباط بينه وبين الثقافة وثيق لدرجة أنه ابن لها وفشل مشروعات التنمية الحضارية في عالمنا الإسلامي نابعة بدرجه كبيرة من التعامل مع العلم التقني اعتمادا على ذلك الوهم .
ولتحقيق تنمية ناجحة لابد من زرع العلم التقني في التربة الثقافية للمجتمع .
وفي الثقافة عناصر من التصورات والتقاليد ما يعيق ترعرع العلم التنموي وهذا يعني ضرورة تطوير الثقافة.
المبحث الثاني
المثقف :
في اللغة العربية
المثقف هو من تحقق فيه معنيان تفوق فكري أهْله للمعنى الثاني وهو التقويم والتهذيب .
المثقف في الفكر الغربي
أصحاب الجهد الفكري في مقابل أصحاب الجهد اليدوي .
الذين يهتمون بالمسائل العامة للمجتمع في مقابل المحصورين في دوائر تخصصهم العلمي .
الذين لهم جهد في التأثير على المجتمع مقابل المعتزلين فكريا .
أول من استعمل لفظ المثقفين كاسم وليس صفه مجموعه من المفكرين والأدباء الفرنسيين في بيان المثقفين دفاعا عن ضابط أتهم بالتجسس .
تعريفات المثقف في الغرب تحدده من خلال شخصيته الثقافية أو وظيفته .
إدوارد شيلر : المثقفون هم قطاع من بين المتعلمين يسعون إلى صياغة ضمير مجتمعهم ليتجه اتجاها راشدا ويؤثرون على القرارات الكبرى لهذا المجتمع .
لويس ويبر : المثقف الشخص الذي تمتد أفكاره إلى نطاق أبعد من مهنته ويهتم بالقضايا والمشكلات الحقيقية .
مانهايم : المثقف شخص يسهم مع أمثاله في تقديم تفسير للعالم لمجتمعه.
والخلاصة أن المثقف شخص مفكر قد يكون متخصصا أو عاما لكنه متجاوز نطاق تخصصه معني بالشؤون الثقافية لمجتمعه بالذات ذو فعل مؤثر في مجتمعه .
المثقف في الفكر العربي :
تأكيد لمفهوم المثقف لدى الغرب من حيث امتلاكه للقدرة الفكرية وللفعل الثقافي في المجتمع فعلاً ارتقائيا ترشيدياً .
العناصر الأساسية لشخصية المثقف
من الباحثين من يوسع المجال لاستيعاب المشتغلين بالمعرفة من علماء ومفكرين وكتاب وصحفيين وفنانين وغيرهم لامتلاكهم معارف ثقافية .
في مقابل آخرين يضيقون مجال استحقاق هذا اللقب بحصره في عدد من الرواد التاريخيين كالأنبياء وكبار الفلاسفة .
والوسط العدل هو ما توجهت إليــه التعريفات السابقة .
عناصر المثقف :
1- الصنعة الفكرية : هي القاعدة التي يقوم عليها تميز المثقف عن غيره وهذا يتطلب أربعة أمور:
أولها : تحقيق معرفة تخصصية تكسبه منهجية علمية.
ثانيها : استيعاب معرفي في المجال الثقافي تراثاً ومعاصراً محلياً وعالمياً وهذا يتطلب جهداً وقراءةً وتعرفاً على التعارضات الفكرية والسنن الإلهـــية في الحياة.
ثالثها : إنتاج ثقافي في تحديد مواقف أو تقديم آراء أو معالجة مشكلات مجتمعه وأمته.
رابعها : الإبداع هو العملية الأساسية في الثقافة وهو سبيل النهوض والمبدع هو الذي يحرر مايصلح مجتمعه مستثمراً تراثه والتراث الإنساني.
فالصنعة الفكرية المقصودة عمق علمي وشمولية معرفية وفقه لحركة الحياة ومنهجية سليمة وجهد إبداعي يقدم شيئا جديد نافعاً.
2- التكيف الشخصي ( العملي ) وفق المستوى المعرفي ( الفكري ) الذي يحمله
بسمت يواكب المنزلة الفكرية قدر المستطاع والمهم أن لا يناقض سلوكـــه قناعاته الفكرية وما يدعو إليه.
3- امتلاك رؤيــــة تشتمل على منظومة مفاهيم في تفسير الوجود.
كل عقيدة = تفسير للوجود تقام عليه حركة الحياة هو دين ، المهم ليس مجرد انتمائه للرؤية بل تبنيه لها على قناعـــه ووعي واستثمار ثقافي.
4- الواقعية الاجتماعية
فيكون مجال حركته ميدان مجتمعـــه من خلال :
تصور عن واقع المجتمع بالمعايشة والدراسة وجهد عملي في واقع المجتمع.
5- النزعة النقدية قدرة وفعلاً .
النخبة المثقفة
هم طليعة مثقفي الأمة الذين يحتلون غالبــاً مواقع قيادية فكرية وهم الأئمة لمن دونهم من طلاب الثقافة من متعلمين وصحافيين ونحوهم وسائر النــاس .
والمجتمع تقوم فيه عدة نخب لكل نخبة منزعها العام ؛ ليبرالية – اشتراكية – إسلامية ... مثلاً
المثقف المسلم
يعني أمرين :
1- شخص يملك صنعة فكرية وسمتا شخصيا متسقا معها، ورؤيــة شمولية في الإصلاح، وواقعية اجتماعية ونزعـة نقدية.
2- ثم إنه منطلق من الإسلام منهجاً وموضوعاً ؟
أما المذهبيات الأخرى التي يتساءل عن إمكان جمعها مع الإسلام لــدى الشخص فالمشكلة في تحديد مصطلحها ومراده كالليبرالية ماذا تعني : تحرر مطلق أم مقيد ؟
المنهج : أن يستوعب المعطيات الحضارية تصورا وتحليلا وفرزا ثم يصوغها في ضوء قيم الإسلام وحاجات مجتمعه .
كثير من المثقفين من أبناء المسلمين انفرط عقد علاقتهم بإسلامهم نتيجة شعورهم أن الإسلام كالنصرانية في انحصاره في نطاق ضيق من التصورات الغيبية ,والتعبد الشعائري .
المسلم والإسلامي :
هو سماكم المسلميــن) هذا الوصف والاسم يشمل دخول الإنسان في الإسلام دخولا شاملا (ادخلوا في السلم كافه) بقلبه وفكره وعبادته وحركته ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)
بعضهم تبنى مذهبيات فكرية ليست من الإسلام لكن أكثرهم يشعر بانتمائه للإسلام فهو ليس كافرا خالصا ولكن فكره غير إسلامي أي أنه مثقف مسلم انتماء, بثقافة غير مسلمة أي مناقضة للإسلام. .
وبرزت فئة تشكل فكرهم من خلال المرجعية الإسلامية،وأرادوا أن يميزوا أنفسهم من خلال ارتباطهم بهذه المرجعية،فبماذا يتسمون؟ إن تسمو بـــمثقفين مسلمين فقد يفهم أن هذا يعني حكما بأن أولئك كفار لتبنيهم أفكارا شاذة وتعويلهم على مرجعية غير إسلامية وهذا حكم غير سليم .
لذا تسمو بالإسلاميين وصار المثقف الإسلامي هو الذي يستمد منظومته الفكرية من الإسلام ولا يعني أن ينحصر في دائرة نصوصه عازفا عن التراث الإنساني .
فالذي يميز المسلم في علاقاته مع الناس ليس الاعتزال ولكنه المداخلة الناقدة .
وظيفة المثقف :
هناك تصورات في وظيفة دور المثقف وهناك تطبيقات عملية .
ماركس : وظيفة المثقف هي تغيير العالم لا تفسيره .
وكلام ماركس ليس بجديد لأنه الموقع الطبيعي لرجل الهداية ووظيفة الأنبياء والعلماء والمفكرين
إن وظيفة المثقف هنا هي صياغة المشاريع وتقديمها للناس والتجند والتجنيد لتبنيها في المجتمع .
لكن فشل العصراني جعله ينقد وظيفة المثقف ويحولها من رسالية إلى علمية تخصصية أو حفزية للمجتمع ليفكر أو وسيطا بين الجمهور والمعرفة والعصر والسلطة أو ناقدا فقط بلا مشروع.
الهجمة الشرسة على الوظيفة الدعوية للمثقف سواء سميت ثوريه أو نبوية خلاصية وغيرها مرتبطة بحال المثقف العربي العصراني التي آل إليها إثر مجازفاته الماركسية والقومية .
مشكلة المثقف العصراني أنه تقدم إلى الأمة بصفته رسول مذهبية النهوض والتقدم ماركسية أو قومية متجردة من الدين تقدم إلى ناس يدركون بفطرهم أن هذه المذهبيات تمثل غوايات .
الألقاب المتداخلة مع لقب مثقف
عالم – مفكر - داعية
العالم في الحضارة الإسلامية : هو العالم بالدين الإسلامي بشموله لا بالشريعة دون العقيدة والأخلاق.
والعلوم الأخرى كالطب يصفونها بالعلم وصاحبها بالعالم لكن منسوبا لفنه كعالم الطب.
العالم الشرعي ماموقعه بالنسبة للقب مثقف ؟
هناك صورتين للعالم الشرعي: :
1- صورة العالم لعلوم الشرع بشمولها الذي يسعى لإصلاح الواقع وهو متصور للواقع فهو مثقف وإن لم يتسم بذلك لأنه مستوف للعناصر الأساسية لشخصية المثقف (صنعه فكريه وتكيفا شخصيا وواقعية اجتماعيه ونقدية)
2- الصورة التي آل إليها حال كثير من علماء الأمة في عصور الضعف من انحصار العالم في فن منعزلا عن الفنون الأخرى،ومنعزلا عن واقع الحياة بل إن أهل التصوف سعوا لإيجاد بديل للعالم الذي كما يرون تحول لممثل سيئ لما يعرض من بضاعة غالية فوضعوا في مقابله وصف العارف بديلاً للعالم .
فهذا النوع من العلماء لا يصدق عليه وصف المثقف لافتقاده عامة العناصر الأساسية.
المفهوم الثاني : لمصطلح العالم في الحضارة الغربية:
يراد به المتخصص بالعلوم التجريبية ( البحتة أو التقنية ) وذلك أن مفكري الغرب بعد أن تحرروا من هيمنة الفكر الكنسي الذي كان يحصر العلم في دائرة كتبه المقدسة بشروحها المستمدة من المعارف اليونانية القديمة ومن هيمنة الفكر الفلسفي الميتافيزيقي.
فسعوا لصياغة نموذج جديد للعلم له موضوعاته ومنهجه وكان الموضوع هو عالم المادة الذي أهملته الكنيسة والفلسفة معاً وكان المنهج هو المنهج الاستقرائي القائم على التجربة الحسية والملاحظة المقترنة بالنظر العقلي .
واستطاعوا عبر هذا المنهج أن يصلوا إلى حقائق كونية ما جعلهم يخلعون على هذه المعرفة وصف العلم وينفونها عما سواها .
المفكر
الفكر والتفكير حركة العقل في المعقولات للتوصل لمجهول أو لحل مشكلة معرفية
والمفكر يطلق على المختصين في الدراسات الإنسانية والمعنيين بالقضايا العامة للمجتمع .
فالفقيه في الدائرة الإسلامية مختص بالجزئيات العملية التي غالباً ما تكون في تفصيلات حياة الأفراد
والمفكر مختص بالقضايا العامة إنسانية أو حضارية أو علمية أو مذهبية فالمفكر في كلا الاطلاقين معني بالثقافة لكن استحقاقه وصف مثقف لا يكفي فيه الاشتغال بل يلزم أن يكون في صنعته الفكرية متجاوزاً حدود الاستهلاك والتقليد وأن يكون في سمته الشخصي متوافقاً مع متطلبات معرفته وأن يظل متماساً مع مجتمعة وواقعه بالنقد والإصلاح .
الداعية
كانت الدعوة تتركز في الوعظ ثم توسعت لتكون تقويماً للسلوك وكشفاً لصور الفساد في المجتمع ورسماً لمسالك الحياة الإسلامية بصورة شاملة والداعية مثقف بقدر استيفائه لعناصر شخصية المثقف..
المبحث الثالث
النخب المثقفة في العالم العربي
كان من أكبر أسباب تراجع الحركة الحضارية للمسلمين تراجع العلماء عن القيام بدورهم الثقافي لا المعرفي المجرد فكان الجمود والتخلف ثم حدث في العصور الحديثة اللقاء بين المسلمين والغـرب .
وقد ظهر المثقفون الأوروبيون في العصر الوسيط من خلال الاتصال بالعرب تجارياً أولاً ثم فكرياً .
وفي هذا العصر كان التفاعل عن طريق مبتعثين مسلمين للغرب تأمل هؤلاء المبتعثون في نهضة الغرب وبحثوا عمن يوجــه مسارها فرأوا أنه فئة قائدة هي علماء الاجتماع ورجال القانون والفلاسفة والأدباء والفنانين ممن يجمعهم أنهم مثقفون .
فتجلت حال المبتعثين في صورتين :
1- الانبهار بالحضارة الغربية لدرجة اضطراب المعيارية والاندفاع العاطفي ومحاولة استنساخ التجربة وتحطيم ما يعارضها.
2- الصورة الثانية حاول أصحابها التماسك فسعوا إلى استثمار الحضارة الغربية بتكييفها لتنسجم مع التوجيـه الإسلامي أو من خلال التوفيق بينها وبين الأسس الإسلامية .
وفي القرن العشرين سادت الساحة العربية فئات من أخلاف أولئك مرجعيتهم غربيـــه ويفتقدون التأصيل العلمي الشرعي ولا اعتبار عندهم لقيمة الإسلام في البناء الحضاري وتعاملوا مع التراث انطلاقاً من المرجعية الغربية والانطلاق من المرجعية الغربية في مشاريع الإصلاح .
ولم ينته دور أهل الغيرة بل وجد أفراد أغلبهم ليسوا علماء وإنماء ذوو ثقافة دينية كونوها من أنفسهم فبذلوا جهودا في مقاومة التغريب ولكن تعرضوا للإقصاء والإهمـــال لكنهم برزوا كبديل لتلك الفئة المتغربة وتعويضاً عن قصور العلماء وكان يجمع هؤلاء الأفراد أن مرجعيتهم القرآن والسنة والتعاطي مع التراث كضرورة حضارية وأن الحضارة الغربية منجز بشري فيه الحق والباطل وتعاظم حضور هؤلاء من علماء ودعاة ومفكرين مع تعاظم الصحوة في أواخر القرن العشرين فعاد هؤلاء المستضعفون سابقاً ليكونوا هم الأقوى في الساحــة فكان المتبادلان على الفعل الثقافي في العالم العربي في القرنين السالف والحاضر تياران ونخبتان: العصرانية والإسلامية .
النخبة العصرانية
هذا العصر منذ أكثر من قرنين هو عصر الغرب فالنسبة إلى العصر لفكر أو شخص غير غربي في أصوله (عصري أو عصراني ) تعني تلقائياً انفعاله بالفكر الغربي وتأثره به .
ومرادنا بالعصرانية هي [ الانفعال بالمعطيات الاجتماعية والفكرية للحضارة الغربية ، مؤسسات ونظماً ومناهج فكرية ومدارس أدبية وفنية وربط الناس والمجتمع العربي بها بحيث تكون لهذه المعطيات الأولوية على الثوابت ]
وعّرفت العصرانية بمعنى تأويل النصوص الدينية بما يتفق مع الفكــر المعاصر.
كما أطلقت على فئة من شباب الصحوة انفتحوا على الفكر العصراني وتأثروا به
وهم متفاوتون في هذا الانفعال :
مابين منتحل لمذهبيات مصادمة للإسلام في الأسس العقدية .
وبين متحرك خارج دائرة الدين لكنه يحاذر الصدام الصريح.
وبين فئات تحاول تأويل الدين تأويلاً تحريفياً يقود إلى زرع ألوان من الفكر المناقض له في أرضه ومابين قاطع مع التراث وآخر متفاعل معه بنقد وانتقاء ومن أبرز تياراتها اليساريون والقوميون واليساريون الإسلاميون.
أبرز ثوابت الرؤية التي وجهت مسار الغرب :
1- الكون مركزه محايث له غير منفصل عنه علله التفسيرية كافيه دون حاجة لمصادر أخرى .
2- الإنسان هو سيد الكون المتصرف في إمكاناته وجاء هذا الإنسان ثمرة لتطورات طبيعية للمخلوقات الأدنى منه .
3- العقل أداة الإنسان الوحيدة للإدراك .
4- تاريخ الإنسان تقدمي ووحيد الاتجاه .
5- المجتمع الغربي هو الحلقة الأكثـر تطوراً في أنماط المجتمع البشري .
من هذه الرؤية انبثقت الفلسفات والنظريات وكثير من المناهج الفكرية والنظم وأنتجت ثمرات إيجابيه وسلبية : تحررا– عقلانية – استثمارا للطبيعة – شعورا بقيمة الإنسان – هاوية بالإنسان نحو حيوانية بل آلية مادية.
إيجابيات النخبة العصرانية :
1- بعث جوانب من التراث العربي المدفون
2- إحياء اللغة وإخراج معاجمها وتشييد مجامعها وموسوعاتها
3- تأسيس المدارس الحديثة والجامعات
4- إنشاء النوادي والصالونات الثقافية
5- تكوين الأحزاب المناهضة للاستعمار
سلبيات النخبة العصرانية :
لم تحقق للأمة التقدم في المسيرة النهضوية خطوة للأمام
وهناك دليلان : الواقع والاعترافات
الواقع: سقوط حضاري واجتماعي(قيم) وثقافي(هوية) وسياسي(حرية) وعسكري (إسرائيل) ومعنوي (ذل)
وممن رسموا صورة هذا الواقع الذي أثمرته العصرانية برهان غليون في كتابه : (اغتيال العقل) تحدث فيه عما سماه بالأزمة المفتوحة.
النموذج الثاني لعبدالإلــه بلقزيز في كتابه (نهاية الداعية) في حديثــه عن الشعور بالإحباط والمرارة لدى النخبة المثقفة وهي ترى مشاريعها للنهضة والتغيير وهي تتبخر الواحدة تلو الأخرى.
الدليل الثاني
الاعترافات الصـريحة من عامة رواد هذه النخبة بالفشل الشامل :
ومن شواهد ذلك :
أ - الإبداع :
عقم انعكس على كتاباتهم فكانت مليئة بالتصنع والاجترار من الغرب والتقليد.
ب - السمت الشخصي .
استشرت فيهم الأمراض الأخلاقية وفشت الانتهازية والتلون وبيع الذمم والظلم والعمالة .
ج- العلاقة بالمجتمع.
لم يتواصل العصراني مع مجتمعة ثقافيا فكان معزولا عن الفئات الشعبية لأن ثقافتهم وتعليمهم قد أوجد انفصاما بين فكرهم وواقع مجتمعهم وأدى بهم إلى التعالي على مجتمعهم إذ اقتلعهم هذا التعليم عن بيئتهم.
ولعل من أجلى صور هشاشة فهمهم لمجتمعهم وفساده موقفهم من الصحوة وتفسيراتهم الفجة لظهور هذه الصحوة ومواقفهم المتشنجة منها.
ولذا قال سعد الدين إبراهيم:يستطيع مجتمعنا العيش والتقدم بلا علماء الاجتماع العرب.
د- العلاقة مع الإسلام:
المفترض أن العصرانيين يرتبطون بالإسلام بثلاثة خيوط:
الانتماء- الرؤية - تأثير الإسلام في المجتمع بل هو صبغته تاريخا وحضارة وقيمة وتطلعا.
لكنهم لم يعرفوا الإسلام من مصادره بل عرفوه مشوها من واقع منحرف أو من مستشرقين أو من نظرة علماء اجتماع غربيين بصفته منتجا بشريا.
فهم بين رافض للإسلام متنكر له بصفته رؤية للوجود كالماركسيين والوضعيين ونحوهم فكتبوا : خرافة الميتافيزيقيا- لماذا أنا ملحد – نقد الفكر الديني .
وبين شاعر أن الإسلام عبء لا انفكاك منه في المجتمع العربي فهو يختزله كجزء من التراث العربي.
أو يقبله بشرط تكيفه مع متطلبات العصر الفكرية والاجتماعية.
وبين محتال في تحديد موقفه بتأكيد إسلامه الشخصي عبادة، وإهمال تحديد موقفه الثقافي .
وبين محاول عدم مصادمته بسبب من إيمان يحمله أو جو ديني يحيط به محاذرا من تخطي قطعياته لكن أطروحاته الثقافية تسبح في واد آخر .
علاقة العصرانيين بالإسلام تشكل أرقا لهم بسبب وضوح الإسلام ووضوح مواقفه من القضايا الثقافية بمايناقض رؤاهم وهو مايولد حساسية اجتماعية بشأنها مما جعلهم يتجنبون الإسلام نفسه ويصورون اختلافهم معه أنه مع أفهام الإسلاميين وليس مع الإسلام.
ومع ذلك كله لايزال الإسلام عالقا في وجدان أغلبهم حتى الملاحدة كما يقول الطاهر لبيب: أغلب العقلانيين يمرون في حياتهم بإيمان العجائز.
هـ- الإفلاس
نتيجة الاختلالات القاصمة في العناصر الأساسية لشخصية المثقف لدى النخبة العصرانية كان الإفلاس والفشل وافتقاد ثقة المجتمع والأزمة والغربة وشلل الفاعلية: تهور- هزائم عسكرية - حكم منفرد مستبد - فشل الوحدة - النزاعات - انتهاك حقوق الإنسان - تفشي الفقر - تفكك سياسي - تغرب ثقافي - حروب إقليمية - تبعية اقتصادية .
مسار ما بعد السقوط للنخبة العصرانية
قبل نصف قرن أدرك بعض المثقفين الرواد خلل الثقافة العصرانية فالتمسوا مسارا آخر من أشهرهم محمد حسين هيكل أحد دعاة الفرعونية وكذا محمد فريد وجدي وخالد محمد خالد.
أما العصرانيين كأفراد فبعد الفشل تفرقوا قددا :
فئة تشهد لهم جهودهم ومواقفهم بالنزاهة المعرفية والإخلاص للأمة واحترام الدين والإبداع الفكري وعقلانية النقد كبرهان غليون وعبدالإله بلقيز وفهمي جدعان ومحمد جابر الأنصاري ومازال عطاؤهم يمتلك الحيوية والقيمة العلمية.
وفئة لازالت مندفعة في مسارها العصراني ومستثمرة للتحولات الجارية وقوفا ضد المد الإسلامي وأهدافه واندراجا في مد العولمة التي يراها عامل إنقاذ له في مجتمع كاد أن يلفظه فجاءت العولمة لتمارس الإغراق المباشر بأنماط الغرب وهو الدور الذي كان يقوم به هذا المثقف كوسيط فهو الآن يبشر بالعولمة ويكسح الألغام أمامها.
وفئة انسحبت ولاذت بالصمت ربما خزيا وربما تحاشيا من بذل نفسه في سوق النخاسة وقليل ماهم.
وفئة وقعوا في الإدمان أو الانتحار أو الاعتزال حتى الانتحار وشبهه كجمال حمدان ومحمد حسن .
وفئة هاجر أو هجر موقعه الثقافي نحو الأدب أو العلمية الأكاديمية أو هاجر نحو المجتمعات الغربية على طريقة سلمان رشدي وتسليمة نسرين.
وفئة التحقوا بطوابير العمالة الصريحة أو غيرها فالتحقوا بالمخابرات الأجنبية ومشاريع العولمة ضد أمتهم أو أجراء لسلط ومؤسسات تقوم على نقيض ماكانوا يدعون إليه حماية للذات وتحقيقا للرفاه المادي ليكون زئبقيا ترزيا مقاول أبحاث وميليشا فكرية يتعاطون الدعارة الفكرية فيبيعون عرضهم لقاء مايسدون به عوز نفس متعطشة للأعطيات وفضلاتها لينتقل من تسول المعرفة إلى تسول السلطة.
وفئة تصوروا أن سبب فشل العصرانية هو قطيعتها مع التراث لذا قاربوه ودرسوه وحاولوا صياغة مشاريع مرتكزة على التراث نقدا تقويضيا له أو انتزاعا انتقائيا لتأكيد أفكار سابقة كاستحضار المعتزلة لتأكيد العقلانية أو القرامطة لتأكيد الاشتراكية وتوظيف التراث لخدمة وتسويق مشروع غربي أو ناهل من الغرب كمشاريع محمد عابد الجابري وحسن حنفي والطيب تيزيني وزكي نجيب محمود.
وفئة رجعت لدينها وقد تفاوتوا في استيعابهم للإسلام ورؤيته ومنهم منصور فهمي وكان ملحدا ومحمد حسين هيكل وخالد محمد خالد ومحمد جلال كشك - وكان أمين الحزب الشيوعي المصري - ومنير شفيق الشيوعي الأردني سابقا وجلال أمين البعثي الماركسي ومحمد عمارة وعبدالوهاب المسيري وطارق البشري وعادل حسين الماركسي وعبدالرحمن بدوي المفكر الوجودي الشهير وزكي نجيب محمود فيلسوف الوضعية المنطقية وحمد المرزوقي الكاتب السعودي..
تأهيل النخبة العصرانية لدور جديد
يرى برهان غليون أن المثقفين بعد انهيارهم بحاجة لتأهيل يتوقف على أربعة شروط::
1- إعادة بناء سلطتهم الثقافية بتجديد القيم الاجتماعية وبلورة رؤية للمسائل العامة وإنتاج ثقافة حية وتدعيم موقع المثقفين في النقاش السائد وتوحيدهم والاستقلال عن السلطة.
2- المشاركة في العمل السياسي مع الآخرين.
3- نقد المثقف لذاته.
4- المراجعة الجذرية لمفهوم العمل السياسي والعام وتغيير العلاقة مع الجمهور.
لكن هذه جوانب إجرائية وليست علاجا لإشكاليته الأساسية التي أدت لسقوطه .
الحقيقة أنه لا يمكن تحقيق نهضة حضارية للمجتمع العربي إلا عن طريق الوحي لأن أي ثورة ثقافية لابد لها من رؤية للعالم والإنسان تمثل أسسا للنهضة ومنظومة لقيمها يقوم عليها فكر النهضة في نظرياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية والإسلام يحمل ذلك.
إن أكثر المثقفين العصرانيين ليسوا منابذين للإسلام تماما لكنهم لتربية خاطئة أو لوثات فكرية أو جهل بحقيقة الإسلام أو تنافر مع بعض حاملي اسم الإسلام أو غير ذلك من الأسباب تشكلت شخصياتهم الثقافية بعيدا عنه.
النخبة الإسلامية
المثقف الإسلامي في العصر الحديث برز بديلا للمثقف العصراني وتعويضا عما قصر به المنتسبون للعلم الشرعي المؤسسي بالذات.
وهذا المثقف الإسلامي مرجعيته الإسلام ونظرتهم للتراث والحضارة بمحاكمتهما لقطعيات الوحي.
إن إرهاصات النهوض التي بدأ بها العالم العربي تحرره من تخلفه الديني والدنيوي كانت إسلامية بل سلفية المنهج وقد تمثلت في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمهدية والسنوسية.
ثم جاءت مرحلة تالية ظهرت فيها مدرسة أخرى سميت بالمدرسة الإحيائية بمجموعة من العلماء والمفكرين الذين أطلوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على الغرب وحضارته .
ركز هؤلاء على تحرير الأمـة من الخرافة والقبورية والتقليد وعلى الاستفادة من الغرب في تقنياته ونظمه التي لا تخالف الإسلام وعلى كشف خــطر فلسفاته الملحدة والعلمانية ومن هؤلاء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ثم ابن باديس ورشيد رضا وعلال الفاسي .
بعد هؤلاء جاء المد العصراني ابتداء من الربع الأول من القرن العشرين حتى نهاية ربعه الثالث مستفيداً من الاستعمار الجاثم على أغلب البلاد العربية .
لكن موجة ثالثة ــ من موجات المد الإسلامي ــ وهي مايسميها عبدالمجيد النجار ( مشروع الإحياء الإيماني الشــامل ) تبلورت في جمعيات علمية شرعية وحركات دعوية ، وعلماء ومفكرين ودعاة تبدو وتخفت أمام سطوة الدول وحرب العصرانيين.
ثم توهج حضورها في نهايات القرن العشرين الميلادي مشكلة بمجموعها ما سميناه تيارات النخبة الإسلامية ، ..
وكان أبرز تشكلاتها: [ التيار الحركي .. التيار السلفي .. التيار الفكري والعلمي ]
التيار الحركي : المتمثل بالحركات والأحزاب الإسلامية التي كان هاجسها بناء الحياة الاجتماعية والثقافية على الإسلام من خلال تطبيق الإسلام وإحياء الشمولية الإسلامية والاهتمام بالجانب السياسي .
التيار السلفي : يدعو لبناء الحياة على دين الله ولكنه يؤكد بصورة مبدئية أولية العقيدة .ويتمثل في أفراد من العلماء والدعاة والتجمعات (جهادية – علمية – سرورية ... إلخ)
التيار الفكري والعلمي : يضم لفيفا كبيرا من العلماء والمفكرين والدعاة الذين لا ينضمون تحت تيار معين بصفتهم مفكرين وعلماء ويمارس كل منهم جهوده بحسب موقعه وقد يلتقي مجموعة منهم حول مشروع ما .. كمجلة المسلم المعاصر وإسلامية المعرفة والمنار الجديد أو بعض المؤسسات كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي أو بعض المراكز البحثية أو المواقع الإلكترونية .
ويجمع هذه النخبة بأطيافها:
1- المرجعية للكتاب والسنة.
2- النظرة للتراث على أنه فهوم بشرية للنصوص فلا يجعل في مقام الوحي ولا يعامل بقطيعة كاملة.
3- اعتبار الاجتهاد ضرورة لإقامة الشريعة
4- إصلاح الواقع انطلاقا من الدين
5- الحضارة الغربية منجز بشري يحمل خيرا وشرا.
خطوط فرز الإسلاميين وثقافيتهم :
1- خط الانفصال عن الواقع المشتمل على الحركة الفرديــة للناس في عباداتهم ومعاملاتهم وعلى الحركة المدنية ذات البنية المتشابكة كالتطبيقات الاقتصادية والسياسية والانفصال قد يقع في الجانبين الفردي والعام أو أحدهما وهذا النوع ممن حصر نفسه في الدراسات التراثية فترة طويلة عازفاً عن الدراسات التي تحلل الواقع وبالتالي صعب عليه مداخلة الحياة بتشابكها المعقد السريع .
2- الخط الآخر يمتلك أصحابه وعياً بالواقع وقدرة على تحليله لكن لديهم قصور في فقه الإسلام نتيجة دراستهم لجوانب الواقع التي تخصصوا بها على أساس المنطلقات الغربية .
ولعل النقص لدى هذين النوعين (طالب العلم الشرعي في ضعف وعيه الواقعي , والمفكر الواقعي في ضعف فقهه الشرعي) هو الذي أكد ضرورة التعاون بين المتخصصين في العلم الشرعي والدراسات المعاصرة لاستنباط أحكام شرعية لقضايا المجتمع المعاصر في بعض المجامع الفقهية والمجالس التشريعية ونحوها .
3- الخط الثالث يمتلك أصحابه فقه في الشريعة ووعياً بالواقع .
والمثقف الإسلامي ليس نسخة واحدة فهناك مفكر همه الشؤون العامة وهناك فقيه معنيٌ بالقضايا اليومية للناس وكلاهما مثقف .
أقسام المثقفين الإسلاميين من حيث طبيعة الإنتاج :
1- ذوو المنهجية الشرعية الذين يمتلكون رصيداً من المعارف الشرعية مما ينعكس على إنتاجهم من حيث استحضار العلوم الشرعية وشمولية المعالجة للأحكام والعقيدة وغالباً ما يركزون على الواقع الاجتماعي تقويماً وعلاجا كما أنهم قد تحرروا من الأسلوب الفكري الفلسفي وأخذوا بالأسلوب التربوي التعليمي ولذا فتأثيرهم أوسع وأعمق في العامــة والطلاب وطلبة العلم .
2- ذوو المنهجية الفكرية وهم أقل علما شرعياً وغالباً ما يكون تخصصهم في الدراسات الاجتماعية والقانونية والأدبية أو تركزت اهتماماتهم بالجوانب الفكرية ولذا فالنصوص قليلة في دراساتهم ويعالجون القضايا العامة والفكرية دون الجزئيات الاجتماعية التي قد تحتاج لاجتهاد أو فتوى ومراجعة فقهيه ويغلب عليهم الطابع الفكري والأسلوب الفلسفي في النظر للقضايا وفي الصياغة المسترسلة دون تجزئة للموضوع [ يبيعون بالجملة لا بالمقطّع ] ويتفاوتون في الوضوح.
ثقافية النخبة الإسلامية
مميزات النخبة المثقفة الإسلامية
1- الإخلاص للأمة بالانطلاق من الإسلام والثبات معه رغم موجة العداء العالمي والمحلي له وأيضاً مقاومة الغزو الثقافي على الرغم من حدته وتنفذه والولاء لتعاليم الإسلام .
2- القناعة الكاملة بالإسلام بصفته المبدأ الأسمى للرشاد والنهضة والإيمان بشموليته لكن ههنا مشكلة في المجال العملي من زاويتين:
- الانحياز لجانب من الحياة وتضخيمه ليصبح عندهم هو الإسلام كله فتضمر لديهم الجوانب الأخرى فكريا وعمليا.
- بعض الإسلاميين نتيجة معاناة ضغط الفكر الغربي في بعض المسائل قد انخذلوا فصاروا يتمحلون في تأويل النصوص فيما يخرجها عن مدلولاتها كما في قضايا المرأة .
3- خلقت ثقافة شرعية استطاعت أن تحرر كثيراً من المسلمين من الخرافات والمفاهيم المشوهة للتدين.
4- أوجدت أمانا نفسيا يحمي من الشعور بالعدمية من خلال ربط المسلم بربه وتقوية رجاءه بالآخرة .
5- قاومت الغزو الثقافي الهادف لتذويب الهوية.
6- سعت نحو النهوض بالأمة بالارتقاء بها نحو العتبة الأولى وهي التهيؤ النفسي للنهوض ووعي زاوية التفوق (الوحي)
7- بعثت الاجتهاد لاستنزال الأحكام الشرعية على المستجدات .
8- خطابها جامع بين النخبوية والجماهيرية فله مسارات تنظيرية فكرية ولــه جهود متجهة لعموم الأمة.
9- التدرج نحو التوازن بين المثالية والواقعية .
10- رد الاعتبار العلمي للنص الديني الأساسي ( القرآن والسنة)
أبرز سلبيات النخبة الإسلامية
1- (مأزق التحول المنهجي ) الجمود المنهجي في التحول الذي تقتضيه ضرورات التطور الأحوال فقد كانت ظروف القرن العشرين حتى ثلثه الأخير حيث الاستعمار والمدان الليبرالي والاشتراكي والدول الوطنية التي لا تحتكم للشريعة والضغط المناوئ للإسلام ثقافياً وسياسياً واستلاب الأمة خلف شعارات أيدلوجيه غير إسلامية فاقتضت هذه الظروف من رواد الخطاب الإسلامي اتخاذ منهجية في الإصلاح من أبرز سماتها :
- اعتماد الشعارات التعبوية (الإسلام هو الحل) والترغيب والترهيب ( اللَّـه أو الدمار ) .
- ومن سماتها رفض الوافد الغربي لكونه من كفار وبواسطة مستغربين غير موثوقين ومطلوباً تطبيقاً بصورته الغربية كالاختلاط في التعليم وللعجز عن فرز إيجابياته وسلبياته.
- التركيز على فكرية الإصلاح وكان مطلب ذلك الوقت.
- انحصار الخطاب في الأتـــباع نتيجة الإقصاء من الاستعمار وخلفائه.
لكن المرحلة تغيـرت مما جعل تجديد هذا المنهج ضرورة آنية حضارية والمطلوب::
أ- تجاوز المطلقات والشعارات العامة نحو الإجابات التفصيلية على مطالب الواقــع فالأمــة قد عادت لدينها وتريد مسالك لحياتها ( بنوك إسلامية – سياسة شرعية – مدارس أهلية – قنوات )
ب- ولــم يعد الرفض الكلي للوافد الحضاري ممكناً ولا مقبولاً حتى للعامة ( القنوات – إنترنت (
ج- تسريع حركة الخروج من زاوية الإصلاح الفكري فقط نحو الجوانب الأخرى وتساوق إصلاح الجوانب التطبيقية مع الفكرية.
د- تحديد أنواع الخطاب مع الفئات المختلفة وبناء علاقات معها على أساس واقعها الحقيقي والتحرر من النظرة الصدامية
2- تغير نمط التحديات وجمود نمط الاستجابة لتـــلك التغيرات
أ- وذلك باستمرار الاعتماد على الكتابات التأسيسية لرواد النخبة الإسلامية والتي كانت تناسب وقتها ككتابات المودودي والبنا و الندوي وسيد قطب ومحمد محمد حسين ومصطفى السباعي ومحمد المبارك لكن تغيرت الأحوال مع العولمــة والصحوة وفي العالم العربي مما يتطلب تجديداً للخطاب وهناك محاولات من بعض المؤسسات الفكرية والمجلات والأفراد لكنها تحتاج جهودا أعمق.
ب- والمثال الثاني لتغير نمط التحديات [ الاستشراق ] فقد تحول من التهجم على العربية والدين إلى الهجوم على الصحوة وواقع المسلمين خلال الـ 20 سنة الأخيرة ودراسة أهداف الصحوة وطبيعتها وأشخاصها ومواقفها وحلولها فضلاً عن نمط آخر للاستشراق بأسماء عربية متمثلة بما يسمى (قراءات معاصرة للقرآن والسنة) لتحريف هذه المصادر .
ج- المد الليبرالي الجديد :فقد تعاطى الخطاب الإسلامي في ثلثي القرن ال 20 الأولين مع المدين الليبرالي واليساري والآن يعود المد الليبرالي بجمع من فلول يسارية ومتدينة انتكست وفئة لاهوية لها إلا مقاومة اتساع الخطاب الإسلامي وقد تميز هذا المد الليبرالي الجديد بخلفياته وبدعمه المتعاظم وبأطروحاته الأنضج من أطروحاته السابقة .
د- الاجتهاد: المشكلة الآن في نوع الاجتهادات مابين مثالية تنزع للتحريم وسد الذرائع والتخوف من الآثار المستقبلية ومابين اجتهادات منفلتة تستنجد ببعض النصوص من خلال التأويل وتهميش مايخالفها والأمثلة في العلاقة مع الآخر والاجتهادات الجهادية المتهورة واجتهادات منهزمة لتحسين الصورة .
هـ- الجماهير:يمتاز الخطاب الإسلامي بأنه جماهيري في معالجته لقضايا الناس الاجتماعية والثقافية وفي الارتقاء بهم نحو هموم الأمة والمجتمع والمشكلة في ضعف عملية نقل هذه الجماهير نحو حركة الرشــد التي يرتقي إليها القادة سريعا خاصة ماكان يتم التحذير منه سابقا كالتعاون مع منظمات غير إسلامية وكالقبول بأنصاف حلول تحقق درجات من المصالح لكن ذالكـ يخالف هوى الجماهير وما شحنوا بــه سابقا .
3- تأكل القطعيات الاجتهادية كتحريم المشاركة السياسة في نظام لا يحكم بما أنزل الله وتحريم العلاقة مع الكفار وضلال الديمقراطية والمواطنة والاعتماد على المقاصد في القضايا المعاصرة.
فتهاوت تلك القطعيات نتيجة تحولات الخطاب الإسلامي وتفاعله مع الواقع وإدراكه لقوة ضغط الواقع ووعيه بمقصد الدين في حياة الناس وهو تحقيق مصلحتهم ونتيجة للمراجعات العلمية لبعض المطلقات التي أخذت بعمومها كالولاء والبراء وكفر الحكم بغير ما أنزل الله. وبقي الخطاب بين حرج التراجع وحرج الموقف من الجماهير.
4- اضطراب المفاهيم في المصطلحات المعاصرة كالديمقراطية والمجتمع المدني والعقلانية والليبرالية.
والإشكال في التعامل معها بتبسيطها والنظر لها كجزئيات متناثرة أو من بعض جوانبها ولم تتبلور منهجية في التعامل معها.
5- معاناة التعامل مع الواقع :
- حالة الترقب للمفاجآت المتسارعة في المنطقة والشعور بالعجز عن الاستجابة المناسبة.
- الضغوط الموجهة للخطاب الإسلامي خاصة تهمة تغذيته للعنف.
- محنة ضغط فئة من التيار الإسلامي بنقدها الحاد للتيار الإسلامي وبعض أنساقه.
-يدرك الخطاب الإسلامي أن الأمة تتحول إليه شيئا فشيئا ليتحمل أمانة قيادها النهضوي في هذه المرحلة الحرجة لكن يبقى عنصر الحرج في الجهد البشري لأصحاب هذا الخطاب في إقامة الحياة على هذا المبدأ في تحويل المثل الإسلامية إلى واقع يعيشه الناس .
6- الفتوى والإبداع: : والفتوى ليست في الجزئيات فقط بل تشمل القضايا المعاصرة والمذهبيات
وكمية الإبداع وكيفيته محدودة والمراد بالإبداع رسم مسالك للحياة مرتكزة على قيم الإسلام وملائمة لطبيعة العصر وهناك محاولات للإبداع لكنها محدودة كما وكيفا مقابل نخبة عصرانية استنسخت الأنماط الغربية وكان على النخبة الإسلامية الإبداع لأن الأنماط التراثية غير ممكنة التطبيق للعصر ولا يمكن كذلك استنساخ الأنماط الغربية.
7- نقص العلمية : والمطلوب تجاوز العطاء العاطفي إلى الدراسات العلمية والتحليلية.
وسبب نقص العلمية إما نقص التأهيل الشرعي فتكون كتابة فكرية أو افتقاد فقه الواقع وتعقداته وامتداداته زمانيا ومكانيا فغدت كثير من الدراسات الشرعية نظرية بحتة أو اختزالية للواقع وهناك جهود لمجامع ومؤسسات ومراكز يؤمل منها خير.
8- نقص النقد الذاتي بسبب نفسية التعالي أو خوف السقوط الشخصي نتيجة الربط بين الكاتب وفكره والنقد الموجود يفتقد العلمية والأدب ولما ضعف النقد من داخل الساحة الإسلامية اتجهت سهامه من العصرانيين
9- التطاوح في الثنائيات : منهج الإسلام يمتاز بالاتزان بين الجوانب لكن الواقع هو الانحياز نحو بعض الثنائيات وتهميش لمقابلاتها بنظرة اختزالية جزيئة كما في الأصالة والمعاصرة والكلية والجزئية (وحدة الأمة وتفاصيل العبادات) والوسيلة والغاية والفردية والجماعية والمثالية والواقعية.
10- الحركات الدعوية الجماعية : مازال عامة المثقفين الإسلاميين مأسورين بقضاياها التي اجتهد فيها في ظرف عيني فتحول إلى موقف للإسلام يتصف بالديمومة فضلا عن الاصطباغ بالسمة التي كانت عليها الحركة خاصة في بداياتها كالتسطح المعرفي والنفور من النقد والتعامل الجزئي مع الحياة والوصاية على المجتمع والنفرة من التيارات الأخرى ومن الدولة.
النخبة الإسلامية والمستقبل
المستقبل لها لفشل العصرانيين ولفشل النهضة والتنمية بلا ثقافة ولأصالة مرتكزها وهو الوحي ولتجاوب الجماهــــير معها ولتطورها وإن كان بطيئا في منهج حراكها ولقدرتها على توليد قيادات متوالية ومتنوعة ولاستجابتها للمستجدات وللمبشرات على مستوى الأمة والعالم.
ضمانات تحقيق المستقبل للنخبة الإسلامية
1- تحرير منهج العلاقة بالمرجعية وهي الكتاب والسنة بصورة محكمة يستوعبها المفكر وينضبط بها العالم والداعية وتكون من الوضوح بمايكشف الانحراف والتعامل غير السوي مع تلك المرجعية.
إن الخلل الأكبر ثقافيا في الأمة اليوم هو الخلل في هذه المنهجية حيث ضيق بسببه البعض حياة الناس وتفلت بسببه آخرون من هدي الشريعة.
إن المعيارية العليا لهذا المنهج هي الكتاب والسنة أما السلفيات المتتابعة تاريخيا فهي محكومة بإطارها التاريخي وهو مايقتضي تحرر النخبة من الإطار الزمني من تلك السلفيات بعدم ضغط الدين في نمط فكري أو تطبيقي فصله مجدد لظرف زمني معين.
2- لملمة التشتت في الأهداف والبرامج نحو التقارب والتنسيق والتأدي لمشروع شامل تصب فيه كل الجهود.
وكثير من الإسلاميين بحاجة لمراجعة في تصحيح مقاصد النفس وزيادة في فقه الدين وهذا هو الحل.
3- تجاوز السلبيات بوعي وتعاضد وصدق.
4- الشجاعة في ممارسة الاجتهاد والتجديد بما يحدث نقلات نوعية في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والتنمية والمواطنة والعلاقة مع العالم بصياغات تحقق نهوضا فعليا لا مجرد تحولات شكلية بطيئة خائفة , هنا يكون مثقفا حقا.
5- الفرز بين الأشياء المختلفة: تجاوزا للعمومية والتداخل المميع للتمايزات وأمثلة ذلك :
التمييز بين المواقع الثقافية ليرتكز كل في موقعه فيتقنه ولا يتسور مواقع أخرى : وعاظ - إعلاميون – مفكرون – علماء - سياسيون.
والتمييز بين أساليب الأداء: خطبة - محاضرة - ندوة - فتوى شخصية أو عامة - دراسة.
والتمييز بين المبادئ والقطعيات وبين الاجتهادات والمواقف.
6- الانفتاح على مختلف قوى الأمـــة وتحديد القواسم المشتركة وطمأنتها ككثير من فئات العصرانية. وكذا في التنوع المذهبي لتجاوز الاحتقان والتربص نحو التعايش والتعاون على البر والتقوى.
الفصل الثاني
مقومات ثقافية المثقف المسلم
مدخل
ثقافية المثقف المسلم تتبلور في عنصرين: إسلاميتها وواقعيتها.
الإسلامية مرجعا ومحددا وفي إطارها تتبلور أهدافها ومناهجها فليست ثقافيته الإسلامية بالانتماء الرمزي فقط ولا بالممارسة الشخصية للشعائر والأخلاقيات مع التعويل على مرجعيات أخرى في شؤن الثقافة الأخرى (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ( الذين جعلوا القران عضين(
قد يقدم صاحب المعرفة جهدا معرفيا منطلقا من الإسلام ولكنه لا يكون ثقافيا بل معرفة علمية نظرية لافتقادها الواقعية والتمثل في الواقع الحي.
أهداف المثقف المسلم الرسالية
1- التذكير : بما هو مستقر لدى الناس من حقائق الفطرة وأحكام الشريعة (فذكر إنما أنت مذكر (
2- البناء على الأرض المهيأة للبناء فوقها : فكرياً أو سلوكياً أو حضارياً للواقع الاجتماعي في مؤسساته , وخططه العامة.
3- مساوقة الحياة البشرية لإقامتها اجتماعيا وحضاريا وفق المسالك الرشيدة ومتابعة تحولاتها المستجدة لربطها بمنهاج الإسلام .
4- مغالبة المد المناقض للثقافة الإسلامية ومواجهته وذلك بكشف زيفه وبيان مناقضته للحق وتوضيح آثاره السيئة الناتجة وبيان البديل الإسلامي.
5- استثمار منجزات التراث الإنساني في الجوانب المادية والإنسانية لتوظيفها في ظل المنهج الإسلامي.
وسائل تحقيق هذه الأهداف
وسائل الإعلام – اللقاءات الفكرية والمنتديات الثقافية – التأليف - الدروس والمحاضرات والخطابة - العمل الوظيفي وبالذات التدريس - الاستشارات الثقافية المنوعة - رعاية المواهب - برامج مؤسسات المجتمع الأهلي.
الأسس المنهجية لثقافة المثقف المسلم
1- الصنعة الفكرية
2- الإيمان بالإسلام مرجعية للثقافة
3- فقه الدين
4- فقه الواقع
الصنعة الفكرية
هي بطاقة دخول الشخص إلى نادي المثقفين
لقب المثقف ابتذل فصار ينتحله من لا يستحقه من ذوي المعارف الضحلة والعامة بحكم موقعهم الوظيفي كلفيف من الصحفيين الفاشلين دراسيا فاحترفوا الكتابة وفئة أخرى اختزلت تكوينها العلمي بضعف التكوين المنهجي أو في عدم الشمولية الفكرية.
الصنعة الفكرية تتجلى في: المعرفة التخصصية في فن من فنون العلم
والمنهجية العلمية في تخصصه بإتقان وفي المناهج الأخرى بالاستيعاب فالمعرفة في أي مجال هي منهج وموضوع فالمنهج هو الذي يرسم المسالك الفكرية للإنجاز العلمي في ذلك المجال كأصول الفقه في الفقه ومنهج الاستقراء في التقنية والمناهج الوصفية في العلوم الاجتماعية .
فالمنهج هو الأهم وهو الذي يصنع القدرة الذهنية على الإنتاج المعرفي لدى الإنسان لكنه مهمش في التخصصات الشرعية فلا يدرس أو يدرس بطريقة لا تؤدي ثمرته بل قواعد تحفظ ألياً وابن تيمية ركز على المنهج الفكري وإصلاحه كما في درء التعارض .
والإبداع والاجتهاد بأن يكون واعياً فيما يدعو إليه بدلائله ومقتضى الإبداع أن يقدم مسالك فكرية و اجتماعية يولدها من خلال قيم الإسلام وأحكامه والمستوى الحضاري الذي وصلت له البشرية بحيث تحقق المصالح وتكون إسلامية ومعاصرة
والبناء العلمي على قواعد وحقائق صحيحة لا افتراضات نظرية كنظرية الجوهر الفرد = الجزء الذي لا يتجزأ وبنى عليه بعض علماء الكلام دليل وجود الله ثم كشف العلم تفتت ذلك الجزء وتحوله إلى طاقة ومثله بعض الأيدلوجيات المعاصرة.
مرجعية القرآن والسنة:
خلل الانتماء الثقافي للإسلام هو منطلق الأزمات التي يعاني منها المثقف المسلم العصراني
حدا ظهور الصحوة وتهاوي الرمزيات الثقافية العصرانية بكثير من المثقفين العصرانيين الذين كانوا مجانبين للإسلام إلى مقاربته.
تجليات هذه القضية
1- الانتماء الشخصي للإسلام بالولادة أو إعلان الشهادتين أو ببعض العبادات لكن هذه الأصناف لا تتبنى الإسلام بصفته تصورا للوجود وقواعد للفكر ونهجا للحياة لذا فقدت انتماءها الثقافي للإسلام وإن بقي الشخصي شكليا أو جزئيا.
فالانتماء المقصود هو جانبه المبدئي بأن الوحي هو الحق ومصدر الصلاح ومعيار الحكم على ماسواه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)
2- أي مثقف فهو منتم لا محالة لأنه يصدر في عمله الثقافي عن تصور معين للوجود أو للفكر أو للحياة والمفكر بالذات لايستطيع أن يبقى في حالة عدم فكري وهذا مايفسر الارتماءات الولائية لكثير من المثقفين العصرانيين العرب بين أطراف متناقضة كيساريين تلبرلوا , كما يفسر سرعة سقوط شباب كانوا منتمين لدينهم.
3- النخبة المثقفة هي رائدة النهوض الحضاري لأمتها وهذا لا يتحقق إلا بمشروع له مرتكزات تصاغ من خلال تفاعل المثقفين مع دين مجتمعهم ويتم عبر هذا التفاعل حسم الموقف الثقافي من الدين تبنيا له أو رفضا ومن ثم بناء منظومة تصورية وقيمية بديلة أي دينا بديلا في الحقيقة أو قبولا عموميا له وإصلاح بعض عناصره أي أن النهضة لا تنطلق إلا من خلال إصلاح ديني حتى الحضارة الغربية استثمرت الدين في تدعيم العلمانية"دع ما لقيصر لقيصر" وعصرانيونا أخفقوا في الإصلاح الديني وفي تحديد موقفهم المنطقي الذي تقتضيه طبيعة الدين الإسلامي.
4- أزمة العصراني جهله بجوهر الإسلام لا بتفاصيله والنتيجه أنه يرى إسلامه من خلال رؤية استشراقية أو تأمل في التدين الشعبي في مجتمعه أو قياس على أديان أخرى خاصة النصرانية فنظرتهم للإسلام تنطلق من التدين ببعض الخرافات الواقعية كالاعتقاد بكرامات أصحاب القبور، أو الدروشة واعتزال الدنيا، أو التبعية العمياء والنفور من الحياة ،والانقياد لما عليه الآباء، وتعطيل العقل أو هو التاريخ أو هو مبادئ عامة وتوجيهات خلقية أو هو حجب المرأة وقطع الأطراف ورفض الآخر أو انتهاك لحقوق الإنسان إلى جانب الجهل المنهجي بالإسلام .أو أنه انتساب فقط أو رمزية تاريخية.
إن الإسلام الذي ينتمى إليه ثقافيا مذهبية شاملة أي منظومة من التصورات والقيم والنظم.
الإسلام نوعان نظري وهو ما أقرته النصوص وعملي تطبيقي وهو التدين الذي يقوم به الناس فكراً وسلوكاً .
والمطلوب من المثقف المسلم لتحقيق انتمائه الثقافي للإسلام هو تبني معطيات القرآن والسنة في العقيدة والقيم والنظم واصطناع المنهج السليم لصياغة الحياة الثقافية.
تجليات الانتماء الثقافي للإسلام ؛أي الإيمان بالإسلام مرجعية للثقافة :
الأول : تفسير الوجود
الاشتغال الأكبر لدى المثقف المعاصر هو في المجال الاجتماعي سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا.
والمجال الاجتماعي لا يمكن أن يحقق غايته إذا لم يرتكز على فلسفة للوجود كله وخاصة الوجود الإنساني أي لا يحقق أمن الإنسان وطمأنينته وسعادته إذا افتقد هذا الارتكاز.
تفسير للوجود يتصور الدنيا فرصة محدودة وممر الحياة الحقيقية
وأن الوجود غيب وشهادة وأن عالم الشهادة الدنيوي جزء صغير من الوجود الكبير وأن للحقيقة مصدرين هما العقل والوحي .
علاقة الوجود الإلهي بالإنسان وعلاقة الإنسان بالعوالم الأخرى كالملائكة والشياطين والحياة الآخرة وأصل الإنسان وحكمة وجودة ومصيره بعد الحياة .
الثاني : التوحيد : وهو التوضيح التطبيقي لتفسير الوجود بحيث يهيمن،ويتجلى هذا التوحيد في حراك المثقف الثقافي؛ومن أمثلة هذه التجليات ::
1-ربط الموجودات بمصدرها الذي خلقها وحدد طبيعتها وغايتها وتحديد مصدر الشيء يعطيه قيمه خاصة بخلاف الفكر التائه الذي يجهل أصل الأشياء فضلاً عن الذي يحدد أصلا خاطئا.
2-التوحيد الفكري :
وذلك بوحدانية الذات الإنسانية في توجهها لله قصدا وطلبا وتحررا من التعلق بغيره .وعلى ذلك تكون ثقافة المسلم ومن ثم فاعليته الثقافية متسمة بالاطمئنان اليقيني بما هي عليه والاستغناء عن التعويل على ماسوى الله
ومن مسائل التوحيد الفكري مسألتان هامتان: :
الأولى: وحدة الحقيقة فالله هو الحق وهو مصدر الحقائق كلها فهو الذي أنزل حقائق الدين وهو الذي أودع عقل الإنسان الحقائق الفطرية التي يرتقي بها في مدارج العلم وهو الذي خلق الحقائق الكونية التي تتجلى في سننه في الكون المادي والحياة البشرية .ولا يمكن أن تتعارض مصادر الحقيقة وهي العقل والوحي والواقع.
المسألة الثانية: الأخذ بالأسباب دون الانقطاع إليها: فالله خلق الكون وأجراه وفق سنن ثابتة وقوانين تنظم حركته المادية والإنسانية مما يجعل معرفة الإنسان بهذه السنن وسيلة لعلمه بالمسببات التي ستأتي تالية لها وبهذه ترتقي حياة الإنسان المادية والإنسانية .
والمثقف المسلم يدعوا إلى الأخذ بالأسباب ويستثمر انضج ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في تحسين الأوضاع وعلاج المشكلات ويربط الناس بخالقهم وخالق هذه الأسباب ومسخرها لهم تماما كما يربط حياتهم بكل إمكاناتها المتجددة بشريعة الله سبحانه .
3-ربط الناس بالله من خلال إحياء القيم المنبثقة من صفات الله تعالى ليتفاعلوا معها في حياتهم الواقعية فالمطلوب من العبد أن يتأمل أسماء الله وصفاته وأن يتفاعل معها ويتجاوز ذلك نحو الجانب التطبيقي العملي بحيث تصبح قيما سلوكية.
4- التفاؤل : النظرة التفاؤلية في علاقته الثقافية فالإيمان بالله وحكمته وعدله ونصره ومعيته يغمر المتفائل بالرجاء والأمل والارتياح النفسي ويبث في روع الأمة التفاؤل ليس لأجل التخدير والتنكر للواقع ولكن حال المسلم كله له خير وسبب التفاؤل بالنصر والتمكين موجود وهو اعتصامها بالله عز وجل ووجود المبشرات – وذلك بالنظر لمسيرة الأمة خلال مائة سنة وحقبة زمنية لا من خلال نظرة لوقائع جزئية .
5– الكرامة : هي مجال الحراك الثقافي والحيوي في حياة الإنسان المعاصر وتتمثل عمليا في هذا العصر بحقوق الإنسان , وهي مبنية على كرامة الإنسان ولا تتحقق الكرامة بصورتها السامية إلا من خلال تجريد التوحيد لله تعالى , وأبرز مظاهر الكرامة الحرية من الاستعباد للأهواء والشهوات والضغوط والإغرائيات الشيطانية وثقافة الخنوع والاستعباد لغير الله سواء لشخصيات دينية أو فكرية أو عسكرية.
الثالث : هيمنة الوحي على التفكير
التوحيد هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وهذه هي مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله وتقضي بأن يخضع المسلم عقلا ونفسا وأعضاء لما جاء به الوحيان وهو خضوع قائم على يقين راسخ بأنه الحق الواجب الإتباع المحقق للمصلحة وأن ما خالفها باطل , جالب للضرر والمفسدة .
ولقد كان هذا الإيمان في حياة المسلمين على الرغم من ضعف أثره في حياة كثير منهم عامل صد ومقاومة للوافدات الفكرية الفاسدة التي سعى كثير من أعداء الأمة كفارا أو منافقين لبثها كي تفسد دينها وتستحوذ على مقدراتها .
ولقد ذم الله في القران الذين أعرضوا عن القران والذين اختلفوا في الوحي فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه الآخر.
وهذا نتيجة الانتكاس في التعامل مع الوحي بتقديم الفكر عليه فصار الوحي موطن خلاف.
وعليه فمن أولويات جهد المثقف المسلم أن يرسخ – في وعي الناس- أن الوحي هو مصدر العلم الأول الذي تؤخذ منه الحقائق.
وكلما عظمت صلته بالقران والسنة ازداد فكره قوة وتوفرت لديه إمكانات الإبداع وحتى يحقق المثقف المسلم أداء ثقافيا فاعلا لابد له من تعظيم الوحي ونصوصه واستحضار نصوص الوحي في موضوعه.
الرابع : الشموليــة
1- بالعلم بمقاصد الشريعة في الكليات الخمس .
2- العلم بميادين الشريعة : عقائد ( خبر ) – عبادات ( إنشاء وتجديد ) – معاملات ( ناقد مهذب ) .
3- أخذ الشريعة في عناصرها الجامعة : ( موضوعات – أدلــة ) وما وقعت كثير من انحرافات أهل البدع إلا بأخذ بعض الموضوعات أو الأدلــة وإهمال ما سواها فالشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان .
4- الحذر من ردة الفعل المتطرفة للمواقف المتطرفة كالمغالاة في تهوين شأن العقل أو التنكر للأسباب أو المغالاة في الزهد أو تضخيم الجانب السياسي .
الخامس : ثبات المعيارية والإطلاق
العلم لدى الغرب المعاصر نتيجة لانفصاله عن الوحي اتصف بخاصيتين: :
الأولى : الوصفية أو الوضعية فهي تدرس القضايا بصفتها واقعا يتم تحليله للتعرف على حقيقته وهذا هو العلم حسب الفلسفة الوضعية التي تجعله متضمناً في إجابة سؤال كيف لا إجابة سؤال لم ؟ ..
كما أصبحت الأخلاق والنظم استقرائية تنطلق مماهو كائن لا مما ينبغي أن يكون. .
الثانية : ( النسبية في القيم ) .. فبما أن الواقع هو مصدرها والواقع متغير في أعرافه وقيمه فليس ثمت قيم مطلقة وقد جعل دوركايم مهمة الوضعية هي أن تحل في كل شيء النسبية محل المطلق.
أما العلم في الإسلام فهو على العكس يقوم على المعيارية والإطلاق لأنه يرتكز في نظرته للأشياء على حقائق الوحي الثابت أما الإطلاق فيتمثل في الإيمان بأن ما جاء به الوحي يحمل صفات الثبات والإطلاق في كل مكان وفي كل زمان .
المبحث الثالث
فقه الدين
الفقه في الإسلام جهد بشري يتجلى في ثلاثة أنواع :
1- فقه النصوص الشرعية عقيدة وفقهاً.
2- فقه الكون والحياة والوجود الإنساني .
3- تكييف الحياة على منهج الله في مسألة واقعة وإبداع نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتعاملية وتعليمية .
ولهذا الفقه قواعد في أصول الفقه وأصول التفسير وأصول الحديث وتلك الأصول مبناها على الخصائص التي ميزت الوحي كالمصدرية ومطلقية الخطاب وعربية الوحي وتوافق الوحي والعقل وتكامل الوحي وواقعيته
منهج التفقه في الدين:
1- التثبت من صحة النص : وخاصة في الحديث وفي عصرنا تيسر الأمــر عبر البرامج التقنية
2- التثبت من صحة الدلالة : من خلال اللغة والحقائق الشرعية وقد حصل انحراف في استخدام الألفاظ في غير المعاني الشرعية كالتوحيد بإخراج توحيد العبادة منه وحصره في الربوبية وكذا العدل عند المعتزلة باستقلال الإنسان في فعله الاختياري عن الله، وتفسير الباطنية للقرآن رمزياً بما يخرجه عـن الإسلام وفي العصر الحديث أصبح الإيمان مجرد الاعتراف بوجود الله ، واستحدثت ألفـــاظ لتحمل معاني مغايرة للمعنى الحقيقي تسويغاً لها أو تنفيراً منها كالربا فائدة، و إتباع الهوى عقلانية،وفصل الدين عن الحياة علمانية، وإقامة حكم الشرع ثيوقراطية والولاء والبراء تعصب، وردع السفه الفكري والخلقي كبت حرية...إلخ
ونصوص الوحي وإن كانت واضحة للعارف باللغة العربية إلا أن استنباط معانيها يحتاج معرفة بمنهج اللغة العربية في أدائها للمعاني من خلال الكلمات والجمل،وللتقريب أشير إلى بعض مسالك هذا المنهج :.
أولاً .. مراتب النصوص في دلالتها على المعاني: الظاهر فالنص فالمفسر فالمحكم أما النصوص غير الواضحة فهي خفي ومشكل ومجمل .
ثانياً .. طرق دلالة النصوص على معانيها : عبارة النص وإشارته وفحواه واقتضاءه ومفهوم المخالفة
ثالثاً.. دلالة الألفاظ على الشمول وعدمه : عام – خاص – مطلق – مقيد .
3- الاجتهاد : ومن أهم العناصر المتعلقة بالاجتهاد :
1- طبيعة الاجتهاد ( فردي – جماعي )
2- مسالك الاجتهاد ( قياس - استحسان – استصلاح – عرف – مقاصد [ ضروريات ، حاجيات – تحسينيات ] – قواعد فقهيه (
المنهجيات المعاصرة في دراسة النصوص
نحتاج لتفاعل إيجابي مع الدراسات اللغوية المعاصرة التي وضعت مناهج لدراسة النصوص دراسة استيعابية نقدية
هناك مقاربة وقراءة للقرآن من خلال منهج أثار اصطناعه موجات من الرفض تتمثل في اعتبار النص القرآني قابل للتأويل إلى مالا نهاية له من المعاني ولو تناقضت تلك المعاني وأن لكل معناً يراه المؤول شرعية توازي ما لدى الآخر وهذا المنهج ظهر سابقاً في التفسير الإشاري والرمزي عند الصوفية والفلاسفة والباطنية ولكن هذا المنهج انبعث من جديد مرتكزاً على مدارس أوروبية في نظريات التلقي وقراءة الخطاب .
لقد انتقلت فكرة فرض القارئ نفسه وهمومه على النص المقروء إلى كثير من المثقفين العرب بالتعامل مع النصوص الشرعية على أساس لغوي فحسب وكان منطلق هذه النظريات التأويلية في الغرب دينياً لإسقاط قدسية المرجعية الدينية وكان مارتن لوثر هو أول من انخرط في طريق تعدد المعاني في الكتاب المقدس .
ومن هؤلاء الطيب تيزيني ومحمد أركون وخرجت صياغات ماركسية أو استشراقية أو غيرها ومثال ذلك نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور ومحمد سعيد العشماوي وحسن حنفي .
وهذه النظريات وجه لها نقد من عدد من المفكرين الذي أزعجهم تذويب المعاني كما يقول إيكو .
ومن محظورات ومخاطر هذه القراءات التأويلية المعاصرة للنص: :
1- تحطيم الوحي أن يكون مرجعية موجهة. .
2- تفتيت الرؤية الموحِدة للعقيدة .
إن نصوص الوحي نوعان : قطعي الدلالة لا يحتمل معناً سواه و نوع ظني الدلالة يحتمل أكثر من معنى وتحرير معناه بضوابط .
التراث الإسلامي وموقعه في تعامل المسلم مع الوحي:
التراث خاضع للنقد في ضوء مقررات القرآن والسنة .
الفهم السلفي الذي تبلور في منهج شامل على الرغم من كونه يشمل المبادئ والقيم أي التمثل الإنساني للإنسان إلا أنه تاريخياً تركز في قضية العقيدة بسبب أنها المجال الذي تفرقت فيه الأمــــة والسلفية وإن توحدت في قضايا العقيدة إلا أن ساحتها تحتوي في الفقه اجتهادات مختلفة .
المبحث الرابع
فقه الواقع
مفهوم فقه الواقع :
الفقه : معناه لغة الفهم والعلم أي الإدراك الفكري لشيء ما .
الواقع: في اللغة هو الساقط يقال طائر واقع إذا استقر على شجرة فهو يدل على فهم الشيء القائم الجديد .
وبالجمع بين لفظتي الفقه والواقع يكون " فقه الواقع " هو العلم بمستجدات الحياة البشرية والمادية "
تعريف فقه الواقع بصفته علما على منهجية معينة :
لم يكن فقه الواقع ذا دلالة مصطلحية قبل وقتنا الحاضر إلا الإشارات التعريفية كتعريف ابن القيم رحمه الله بأنه : علم حقيقة ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط بها علما ".
يعرفه أحمد أبو عود بأنه :" الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضه وما يواجهها"
فقه الواقع في التداول الآن لهذا المصطلح يتمثل في واحدة من ثلاث صور::
1- هي التصور الصحيح المتماسك لمجريات الحياة
سواءً في وقائعها الفردية التي تتحول من خلالها أوضاع الناس يوما بعد يوم وفي مساراتها الكبرى سواء المحلية كالنظم الاقتصادية أو على مستوى المجتمع الدولي والمشكلات العالمية .
وفقه الواقع بهذا المعنى يعد شرطاً ضروريا للاجتهاد وهو ما تعبر عنه القاعدة الشهيرة ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره (
2- تصور صحيح للواقع كما هو قائم بأنساقه الفكرية والتنظيمية ثم صياغة هذه الأنساق صياغة إسلامية ارتكازاً على مقررات الشريعة ومقاصدها(
ولنفهم هذه الصورة نوضحها في نقطتين :-
أ- أن فقه الواقع يتجه إلى الحياة البشرية والمادية في جوانبها ذات التغير ليستوعب فقيهه هذا التغير ويجتهد في معالجته إسلاميا (يرقعه)
ب- أن فقه الواقع يتجه إلى واقع الحياة ليبني أنساق هذا الواقع
مثلا النظام السياسي والاقتصادي والتعليمي في ضوء سقفها الحضاري المعاصر من خلال توجيه الإسلام أحكاماً ومقاصد شرعية )
ففقه الواقع هنا في الصورة الثانية ينزل إلى الساحة فيصبغها بفعل الحلال ومنع الحرام-كما يقول عمر حسنة- في مقابل فقه الصورة الأولى الذي يسير خلف المجتمع في تحولاته ويصدر أحكامه على هذه التحولات بالحل والحرمة والصحة والفساد .
3- العلم بسنن الله في الآفاق والأنفس في الكون المادي والحياة الإنسانية .
والذي من خلاله يتعرف الإنسان على التغيرات وطبائعها وآلياتها
بهذا الفقه الاجتماعي والعلم بالسنن والقوانين الإلهية التي تحكم المسيرة البشرية "علم قوانين الاجتماع والعمران" نكون قادرين على التعامل الصحيح وتحديد المداخل الصحيحة لذلك التعامل من خلال الاهتداء إلى السنن الإلهية في السقوط والنهوض للأمم والحضارات .
فهم الواقع أمر أساس لحسن تطبيق تعاليم النبوة والتعرف إلى وسائل إحداث التفاعل وتحريك آليات التغيير الاجتماعي وهذا لا يكون إلا بالفقه الاجتماعي أي بالتحقق من القوانين التي تحكم الاجتماع والعمران .
والعلوم الاجتماعية هي التي تبحث هذه الجوانب الإنسانية لذا فهي داخلة في الفقه وينبغي النظر لها بصفتها علوما شرعية
وحركة تأصيل العلوم الإنسانية إسلامية التي تقوم لها جهود متعددة المواقع إنما تهدف لهذه الغاية أن تتحول هذه العلوم التي تخلت عنها الأمة الإسلامية فبناها الغرب في إطار ثقافته العلمانية إلى علوم تنطلق من توجهات الشريعة الإسلامية وتنضبط بضوابطها .
إن فقه السنن هو أقرب المعاني لمدلول اللفظة في القرآن إذا جاءت منفية عن الكفار والمنافقين.
فقه الواقع تاريخياً
الثقافات البشرية الزائغة عن منهج الله سواء تمثلت في أديان أو مذاهب أو حضارات لا تنفك علاقتها بالواقع البشري عن جنوح إلى أحد طرفين متقابلين :
1- إما تباعد عن الواقع وعزوف بالأتباع عنه لتحقيق سمو روحي متوهم وهذا شأن الثقافات الرهبانية .
2- أو ارتكاس في حماة الواقع ولو كان على حساب القيم الإنسانية وهذا هو شان الحضارات المادية .
والإسلام تميز عن تلك الثقافات في تحقيق التوازن في التعامل مع الواقع.
لقد تسامى الإسلام بنفوس أتباعه روحياً وخلقياً ولكن من خلال ربطهم بالواقع الذي قضى الله أن تجري خلافتهم من خلال الحركة فيه.
حتى في المجال العقدي كان أسلوب القران فيه أسلوبا واقعيا حيا بعيدا عن الأسلوب الفلسفي التجريدي : ألم نجعل الأرض مهادا ....) (قال من يحي العظام وهي رميم , قل يحييها الذي أنشأها أول مرة .....الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ....)
فكانت التوجيهات القرآنية من خلال السنن والتاريخ والواقع لا من خلال قضايا تجريديه يعيشون معها تأملات ذهنية.
فكانت الثمرة تفاعل الصحابة الإيجابي مع الواقع وهو الذي أثمر المنهجية العلمية التي صاغها العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم لإقامة شريعة الله في واقع الحياة (مصالح مرسلة – عرف – استصحاب)
لكن هذه الروح المتزنة في علاقتها بالواقع لدى الصحابة وأتباعهم ولدى رواد الحضارة من الأئمة تراجعت تحت ضغوط مؤثرات كثيرة من جوانبها المختلفة في الجانب العقدي الذي تحول إلى بحوث فكرية تجريدية تضاهي الفلسفة لدى الأمم الأخرى حتى سمي هذا الجانب ( علم الكلام ).
وفي جانب الاعتبار بسنن الله في خلقه حتى استحال التاريخ لمجرد سرد لا يستفاد من دروسه في الحياة.
وفي جانب الفقه العملي صار ينعزل شيئا فشيئا عن الواقع الذي تعيشه الأمة ابتداء بشؤونه السياسة ثم الشؤون الأخرى ومال الفقهاء إلى التنظير في تنظيم الأحكام الفقهية العبادية والمعاملاتية وتحكم في الحياة الواقعية لكثير من المسلمين إما أعراف قبلية أو سلوم أو سياسات يضعها أرباب الدول بعضها متسق مع الإسلام وبعضها مخالف له.
لكن كانت هناك حركات تجديدية عبر القرون تدرك الخلل في هذا الجانب وتسعى لمعالجته كالشاطبي وابن خلدون وابن تيمية وتلاميذه وخاصة ابن القيم .
وعلى الرغم من تلك الحركات التجديدية في ربط الواقع بالدين إلا أن الحال عموما ظلت على مجرى الانفصال بينهما وبقيت هيمنة الشريعة على الجانب العبادي الشعائري على الرغم مما داخله من بدع وشركيات وأما الواقع الاجتماعي فقد بقي مسرحا للعادات والأعراف القبلية وبعض مؤثرات الأمم المحيطة حتى جاء العصر الحديث والتقت أمة الإسلام بالغرب لقاء أمة مهزومة بأمة مستعمرة فأثار ذلك بعض المصلحين وحاولوا الإصلاح من خلال إحياء فقه الواقع وقد تمثل هؤلاء المصلحون في مدرسة الإحياء (العلمي الفكري) وكان روادها (جمال الدين الأفغاني ومنهجه في الإصلاح السياسي– ومحمد عبده (ومنهجه في الإصلاح الاجتماعي) ورشيد رضا (ومنهجه السلفي)
وفي الساحة الكبرى من القرن العشرين سادت بلاد المسلمين في ظل الاستعمار وما بعده حركات عصرانية ضللت الشعوب عن دينها وأخضعت حياة هذه الشعوب في كثير من مجالاتها لأنظمة وأساليب نهوض مستوردة من أمم أخرى أو ملفقة لكنها مفصومة عن دين الأمة وتراثها الحضاري مما جعلها تصل بمجتمعات المسلمين بعد عقود من التجارب إلى انهيار حضاري شامل وتخلف أشد مما كانت عليه الأمة حينما بدأت هذه النظم العصرانية التي تهاوت مشروعاتها تباعاً.
وكان يقارن هذه المسيرة العصرانية مسيرة أخرى دعوية إسلامية تتمثل في الحركات الإسلامية والجماعات الإصلاحية التي أقامت مناهجها الإصلاحية على أساس من استقراء الواقع وعلى الرغم من الحرب الاستعمارية والعصرانية إلا أن جهودها مقرونة بانكسارات القوى العصرانية في المجتمعات المسلمة وغيرها من الأسباب قد أدت إلى ظهور الصحوة الإسلامية التي تنحصر في مجرد التدين الفردي بل تجاوزت إلى المطالبة بتطبيق الشريعة وإقامة الحياة سياسيا واقتصاديا وأدبيا على منهج الإسلام مما يقتضي بعث فقه الواقع بعثا جديدا خاصة أن المسار الفكري لدى مدرسة الإحياء لم يتطور بشكل تراكمي لدى الحركات الإسلامية خلال القرن العشرين التي شغلت بمقاومة العصرانية ورد الشاردين من المفتونين بالإلحاد وهذا ماوعته الصحوة بحسها الإيماني ثم بوعيها الفكري .
ولقد تنوعت مسالك السعي لتحقيق هذا الفقه للواقع: رسائل علمية جامعية ومجامع فقهية تجمع بين علماء الشريعة والمتخصصين وحركة تأصيل العلوم الإنسانية إسلاميا التي بلورت في مؤتمرات فكرية في الاقتصاد والتربية والأدب مثلا وندوات الفكر الإسلامي.
كما تبلورت في جهود مؤسسية (في جامعة الإمام والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن).
مظاهر رفض محاولات فقه الواقع:
انتقد البعض انفتاح العالم الشرعي على الواقع بأنه تجاوز منه لدائرة عمله.
وانتقدت جهود تأصيل العلوم الاجتماعية إسلامية بأنها تستهدف إدخال الشرعي بقضايا لاصلة لها بالشريعة أو أنها تضمنت أخطاء تطبيقية والسلامة منها برفض المشروع برمته..
والواقع أن مأزق الفكر الإسلامي الآن تشتد وطأته فالحضارة المتسيدة حضارة مختلفة وتأثيرها يزداد ضغطا في ظل العولمة والواقع يزداد تعقيدا وتداخلا مع الواقع الآخر مما يقضي بضرورة تكثيف الجهود في ميدان فقه الواقع ليتخطى العقبات.
من العناصر المهمة في فقه الواقع للمثقف المسلم :
لقد أصبح فقه الواقع علما له أدواته ووسائل قياسه بل أصبح خلاصة علوم إنسانية واجتماعية وتاريخية ولم تعد تنفع معه النظرة العابرة أو الملاحظة أو الأمنية.
وعلوم فقه الواقع تتقدم بسرعة وتتأصل بشكل مذهل وتتشعب إلى تخصصات دقيقة ووسائل سبر حقيقة المجتمع ومعرفة واقعه وتحديد وجهاته أصبحت علوما (علم إحصاء – مسح – بحث اجتماعي- استطلاع رأي).
عناصر فقه الواقع:
العلم بحقيقة الطبيعة الإنسانية – السنن الربانية الكونية والإنسانية– توازنات .
الطبيعة الإنسانية:
الإنسان هو مداد الحركة الواقعية الاجتماعية والحضارية وهو مورد الأحكام الشرعية وعليه فإن العلم بحقيقة هذا الإنسان على الوجه الصحيح شرط أساس لفقه الواقع
والله خلق الإنسان لعبادته والخلافة في أرضه على منهجه وقد ركبه من عنصرين مختلفين هما المادة والروح بحيث يجمع بين الحياة الحيوانية العضوية والحياة الإنسانية السامية دون تنكر لأي منهما ولتحقيق هذه الحياة المتوازنة جبله على فطرة أودعها فيه فهي قوة تنبثق منها العديد من الغرائز الحيوانية التي تحفز صاحبها لإشباعها كغريزة الأكل والشرب والجماع ...
كما تنبثق منه نوازع روحية توجه صاحبها نحو الارتقاء بإنسانيته فوق العالم المادي؛تدينا،وسموا أخلاقيا..
والمنهج السليم هو الذي يلبي جميع تلك الغرائز والنوازع ويحدد مسالكها الصحيحة بتوازن وتكامل
وقد فشلت البشرية أن توجد هذا المنهج السليم بسبب جهلها بحقيقة الإنسان وتركيبته وفطرته
والمثقف المسلم يتميز بكونه يتعامل مع قضايا الإنسان من خلال المنهج المتفرد الذي منحه الله إياه بعكس غيره
وفي تاريخ المسلمين صور من المعالجات التي وقعت في تطرف ضد تطرف مقابل؛ كالزهدالذي تحول لانعزال ردا على افتتان الناس بالدنيا.
وفي عصرنا انحرف كثير من المثقفين المسلمين فركزوا على الجانب المادي في حضارة المسلمين وواقعهم
والغاية أن المثقف المسلم ينبغي في أدائه الثقافي ومعالجته أن يراعي غرائز الإنسان الفطرية ونزواتها وأن لا يصادرها حتى وإن جمع الناس في مجالها بعيداً عن الحق .
فإذا رأى - مثلاً – أن الأزياء النسائية والمستحضرات التجميلية قد فتنت المرأة المسلمة حتى سحبت كثيراً منهن عن الوضع الطبيعي لهن أنثويا إسلاميا فلا يندفع إلى رفض هذه الأزياء والمستحضرات جميعاً ويدعم اندفاعه في هذا الرفض بالفتاوى العينية وأقوال بعض الأطباء وغير ذلك .
وليعلم أن طلب المرأة للجمال والأخذ به لباساً وزياً غريزة فطرية قال تعالى : " أومن ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " .
إذا الانطلاق يجب أن يكون من منطلق شرعي وأن يجمع بين النصوص الدالة على الاستمتاع بالدنيا وما فيها والنصوص المحذرة من الانسياق وراء الدنيا .
فالأصل في لباس المرأة وتزينها الإباحة إلا إذا كان هناك ما يدعو إلي التحريم كالتشبه بالكافرات أو الإسراف المذموم أو الأضرار الصحية المؤكدة .
السنن الربانية:
هي ما اطرد من تدبير الله لعالم الشهادة في المجال الطبيعي وهي التي تسمى السنن الكونية أو المجال الإنساني وهي السنن الحضارية والاجتماعية وقد شاعت تسميتها في الفكر الكلامي بالأسباب وفي العصر الحديث بالقوانين وما يعنينا هنا هو السنن الحضارية والاجتماعية .
والمعاندة للسنن المطردة هو عمىً حضاري .
سبيل التحقق بالمعرفة بهذه السنن يتم من خلال ثلاث طرق: :
1- ما جاء في النصوص الشرعية وهي كثيرة وتمتاز بصدقها المطلق كأن صلاح المجتمعات وفسادها تابع للأخلاق الفردية في نفوس الأفراد وأن المكر السيئ لإبطال الحق يرتد على صاحبه وأن الاختلاف والتنازع يذهب الريح وما كان الرفق في شيء إلا زانه .
2- ما تتوصل إليه الدراسات الاجتماعية والتاريخية في تفسير الأحداث والظواهر بالاستقراء .
3- ما يصل إليه المثقف نفسه من تأمل في الحياة ويتركز هذا في المجتمع المحلي لأن لكل مجتمع تركيبته الخاصة
توازنات مطلوبة في التعامل مع الواقع :
1- مراعاة شرائح المجتمع :
فشلت في التاريخ الإسلامي طائفتان اتخذتا منهجين متقابلين تماماً مفرطين في تطرفهما وهما الفلاسفة الذي انعزلوا والقصاص الذين هبط وعظهم إلى درجة الدجل .
إن المطلوب لأداء ثقافي إيجابي أمر بين الأمرين السابقين فمن حق كل شريحة أن يقصدها طائفة من المثقفين يعانون قضاياها ويتحركون بها من مواقعها إلى آفاق أعلى .
لكن هذا المثقف المتجه لهذه الشريحة ينبغي أن يستحضر الشرائح الأخرى فيراعيها بما يدرأ عنه تهمة الاعتزال لتلك الشرائح بشكل كلي .
2- المطلقات التعبوية والبرامج العملية :
هناك مهمتان في البناء الحضاري أمام المثقفين الأولى تعبئة الأمة واستثارتها لاسترداد هويتها وبعث إرادتها
والثانية الاجتهاد بوضع البرامج العملية لتحقيق النهوض الحضاري .
والمشكلة لدى كثير من المثقفين أنهم تمادوا مع الأولى ونسوا الثانية إما بحجة أن المنهج موجود في القرآن والسنة أو أنه من البساطة بحيث لا يستغرق جهداً يستحق الانصراف إليه.
3- رعاية التوازن بين قدرات العلم وقدرات العمل .
العلم كما أنه سابق للعمل فهو أيضاً أوسع منه من حيث الاستطاعة الذاتية والإمكانات الظرفية،والعلم بالأمر المطلوب قد يقارب الكمال لكن العمل يقصر عن ذلك ولأن دين الله دين الفطرة واليسر فقد ربط التكليف بحدود الطاقة الإنسانية بالطاقة وبيّن ضرورة رعاية النسبة بين تعاليم الدين الكاملة ومن ثم العلم بها وبين التطبيق العملي في قوله صلى الله عليه وسلم [إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق] وقوله (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منكم بعشر ما أمر به نجى(
من إشكاليات فقه الواقع:
1- سوء فهم حقيقة فقه الواقع
فئة يرون الوعي بالسياسة والاجتماع يخرج العالم من دائرته الشرعية، وفئة يرونه صراعا سياسيا مع الحكومات وثالثة يرونه كتابات تحريفية للإسلام باسم تجديده.
2-التنظيم الموضوعي لعلم الفقه:
باستحداث أبواب جديدة للقضايا الحية مثل قضية التشريع والبنوك والصنائع والإدارة والاتصالات
3-الواقع:تعقيده وسرعة تغيره فالواقع أصبح عبأً وقضية مرهقة للفقه والسبب هو ما حدث للواقع من تغييرات وأحداث تفوق قدرة الفكر على ملاحقتها فضلاً عن مواكبتها فالواقع السابق كان بسيطاً ارتجالياً في حياة الناس واقع جزئي مفكك يمكن تصوره والحياة الآن اختلفت وتعقدت وأسرعت وتضخمت في مفاجأتها والمؤثرات السابقة كانت أحداث محلية والآن المؤثرات أغلبها خارجي والتمايزات الحضارية السابقة كانت واضحة والآن بسبب العولمة بدأت تذوب التمايزات فأصبحت الأشياء الغربية الآن إنسانية تقدم لكل إنسان والوضع الغربي بالنسبة للمسلمين وضع ضاغط وليس محايداً ضاغط بالقوة أو بالإغراء أو الضغط السياسي ويستهدف تعويق مسيراتها ويربكها فمارس الضغط المتنوع فهذه القضايا تشعر المتصدي لفقه الواقع بحالة من العجز عن السيطرة عليه وامتلاك تصورات سديدة بشأنه ولهذا لجأت المؤسسات المعنية بالجهود العلمية لما يسمى بالمجامع التي تعول على مراكز دراسات ومتخصصين وليس فتاوى عابرة .
4- ما يسمى بفقه الأولويات (المرحلة)
وهو تنزيل الحكم الشرعي بحسب الواقع فتكون الأحكام الشرعية متعلقة بالواقع لا بالحكم النظري العام فالجهاد مثلاً يكون الحكم بشأنه في هذا الوقت عدم استفزاز العدو بسبب ضعف الأمة والمشكلة هي في التطبيق مع الوقائع الحادثة فيرفض البعض القدر الوضعي للأمة ويرونه اختزالا للإسلام فلا بد من التعامل مع فقه المرحلة أو فقه الأولويات والتعاطي معه وقد تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة في الفتاوى ( 20 / 56 ) وهو كلام مهم.
ومن الفقه فقه المآلات وفيه خلل ما بين إفراط وتفريط فهناك تضخيم لمآلات وخاصة في الأحكام وتحريم المباحات بحجة سد الذرائع وهناك تسويق للتفريط بحجة فتح الذرائع لكسر قاعدة سد الذرائع،،،
واللـــه الموفق. .
اختصار
أبوسلمان
إبراهيم بن عبدالرحمن التركي
1431هـ
Vous Le savez Toutes et Tous,
Pour REUSSIR sur Internet il faut de Bon Produits ou Services,
Mais Surtout Les Meilleurs Outils Possibles pour Les Promouvoir !
Dans cet Objectif, Nous avons l’immense Plaisir de vous annoncer que
