على كل حال, قرأت قبل أيام مقالة جميلة للأستاذ داود البصري منشورة على هذه الصفحات تحت عنوان “هل سيبيع الإيرانيون النظام السوري?” والصورة كما أراها إن عملية البيع تمت ونحن الآن في مرحلة ضمانات ما بعد البيع. فالنظام السوري أو مَلِك إسرائيل كما أسمته “هآرتس الإسرائيلية” الذي حول بلاد الكنعانيين إلى سجن كبير ومنعهم من الاقتراب من مملكة أورشليم ودعم كورش والأخمينيين في هزم بابل وساهم في محاصرة اللاجئين العيلاميين, أصبح اليوم وحيداً على الأقل بما يخص الحليف الفارسي.
إيران حاربت عن النظام السوري بل أرسلت عبر “حزب الله” المقاتلين لقمع الثورة في سورية مالياً ضخت ستة مليارات دولار نقداً في الاقتصاد السوري للحؤول دون انهيار الليرة السورية, بالإضافة إلى ثلاثة مليارات أخرى كإستثمارات, كما دعمت النظام في قطاع السياحة عبر إرسال مليون سائح عقائدي سنوياً. هذا وحسب المجلة الإسبوعية التركية فقد قدمت إيران مساعدات غير مشروطة بالإضافة إلى 300 ألف برميل من النفط “الأحوازي” مجاناً لمنع سقوط النظام في سورية. في حين كانت تضغط على المالكي لتقديم مليارات الدولارات للنظام في دمشق وهو ما تم الكشف عنه من قبل سياسيين عراقيين. فيما نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية اخيراً تقريراً مستنداً لمصادر أميركية أن طهران تمارس ضغوطاً كبيرة على بغداد لتصدير قسم من النفط العراقي عبر الأراضي السورية ليصبح ذلك مصدر دخل إضافي لنظام بشار الاسد الدموي. كان ضمن الدعم الإيراني المقدم كذلك عدد من الفتاوى الدينية التي أصدرت ومنها فتوى لأحد أكبر مراجع الدين الشيعة في قم وهو مكارم شيرازي يعلن فيها أن مساندة النظام السوري واجب ديني وموقف خامنئي الصريح من إن الثورة في سورية مؤامرة! لكن منذ بداية أغسطس الماضي بدأت القيادة الإيرانية بالاقتناع أكثر بأن كل أشكال الدعم المالي والاستخباراتي والعسكري والسياسي للنظام لا يمكنها منع سقوطه النهائي.
التفاهمات الإيرانية مع أميركا – إسرائيل معقدة, طويلة جداً ومتقلبة حسب تقلب المصالح الإيرانية والحاجة الأميركية تغيرت بشكل أو بآخر منذ يونيو 2007 تفاهمات بغداد (المنطقة الخضراء), ثم تفاهمات القاهرة (اللقاء الثنائي) الأول أكتوبر من 2009 بين سلطانية وشلمو بن عامي التي بنيت على “وديعة جورج بوش”, وأخيراً تفاهمات الدوحة في فبراير 2010 والتي سأبينها بالتفاصيل والمرحلة الأخيرة وهي “الحوار السري الإيراني الأميركي” الذي كشفت عنه مصادر صحافية نهاية يوليو الماضي بعد الصلح بين رفسنجاني وخامنئي وأخذ الأخير بنصائحه بعد وقف تجميده كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام.
انقلاب مفاجئ !
الانقلاب الشامل في علاقة إيران مع النظام السوري الحليف بدأ من قطر ففي منتصف فبراير 2010 ذهب رئيس مكتب نجاد, وصهره اسفنديار رحيم مشائي إلى الدوحة بالتزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون, وكشفت أوساط إيرانية على رأسها محمد مطهري وهو نجل المرجع الإيراني مهدي مطهري, بأن الزيارة هذه تأتي في إطار الحوار السري الإيراني مع أميركا بوساطة قطرية وإن هذا التقارب السري يأتي لتسوية كل الملفات العالقة بين الجانبين. فقد كانت نتيجة كل التفاهمات الإيرانية- الأميركية 2006 – 2011 م زيارة أمير قطر الشيخ حمد آل ثاني لطهران في 25 أغسطس الماضي, وإعلانه قبيل مغادرته طهران أن الحل الأمني في سورية أثبت فشله, وأنه لا يبدو أن الشعب السوري سوف يتراجع عن مطالبه بعد ما دفعه من ثمن. سبق الموقف القطري بيوم وفي إشارة واضحة لبشار ونظامه قول نجاد بأنه “عندما تكون هناك مشكلة بين الشعوب والقادة , يجب عليهم الجلوس معا للتوصل إلى حل , بعيدا عن العنف !” وهو موقف إيراني نادر في انتقاد نظام دمشق. تبع ذلك في 27 أغسطس تصريح علي أكبر صالحي وزير خارجية إيران بأن على الحكومة السورية تلبية المطالب المشروعة لشعبها. وفي الأول من سبتمبر نقلت وكالة الأنباء الألمانية “د ب أ” بأن نواباً ايرانيين أصبحوا يحرضون حكومتهم على التخلي عن النظام السوري فقد قال أحدهم بأنه يتعين على إيران دعم المتظاهرين السوريين بدلاً من الوقوف في صف الحكومة.
أسباب بيع الحليف الرئيسي
أفادت “لوفيغارو” الفرنسية في 29 أغسطس الماضي بأن إيران أدارت ظهرهاً فعلاً لبشار ونظامه بحيث أجتمع أخيراً مسؤولون إيرانيون بممثلي المعارضة السورية في عاصمة أوروبية (باريس) بعد أن اعترفوا بأن سقوط النظام نهاية مقبولة بعد أكثر من ستة أشهر من الثورة الشعبية وقام الإيرانيون بالاستفسار عن مدى نفوذ الجهات الإسلامية في قيادة المعارضة السورية وعن طبيعة علاقاتها المحتملة مع وكيلها بالمنطقة “حزب الله” وخططها المستقبلية في فترة ما بعد بشار وأضافت لوفيغارو أن حزب الله يفكر كذلك بالاتصال بالمعارضة السورية !”
إذا لماذا التزمت إسرائيل الصمت وإيران في الأشهر الأربعة الأولى من الثورة بشكل شبه كامل تقريباً? الإجابة تكمن بالخوف من انهيار نظام يجتمع الإيرانيون والإسرائيليون بمصلحة بقائه, وكذلك ترقب ما ستؤول الأمور وهل سيتمكن من تحمل زخم الثورة. ولكن في الشهرين الماضيين توصل الاسرائيليون إلى إن نظام الأسد آيل للسقوط وفي تلك الأثناء أيقن الإيرانيون تلك النتيجة من خلال تواجدهم الإستخباراتي واتصالاتهم المباشرة وغير المباشرة بإسرائيل وأميركا والغرب ومن المعروف بأن سياسة إيران براغماتية لا تقبل أن تكون إلا مع الرابح لضمان مصالحها في المنطقة فكان التسليم بقرب نهاية نظام دمشق وضرورة العمل على تأمين مكان إيران في سورية ما بعد الثورة.
الثمن الذي ستقبضه إيران.
يقول الكاتب عصام عبدالله بأنه قد سربت مصادر موثقة بعض المعلومات عن حقيقة ما دار في 25 أغسطس الماضي بين أحمدي نجاد وأمير قطر في طهران, حيث عرضت قطر صفقة أميركية تحصل طهران بموجبها على نفوذ أكبر في العراق, مع ضمانات بأن مصالح إيران في الشرق الأوسط لن تمس مقابل التخلي النهائي والتام عن نظام بشار. وأرى أن مواضيع مهمة كالرفع التدريجي لما تسمى العقوبات الدولية والإعتراف بإيران كقوة إقليمية أساسية وعرض إستثمار شركات البترول الغربية في الأحواز كانت من ضمن الوعود الأميركية لإيران. وقد كشف مصدر في قوى “14 آذار” اللبنانية في 30 أغسطس بأن هنالك حواراً إيراني – أميركياً بعد تسريب مسؤولين إيرانيين بأن النظام السوري سيلقى مصيره المحتوم وإن إيران عرضت على واشنطن أطلاق اليد الإيرانية في العراق وحماية حزب الله من خلال تسوية شاملة تنسحب على سلاحه ويتم اقتراح الذهاب إلى المثالثة “السنية – الشيعية – المسيحية” للنظام السياسي اللبناني مقابل التسليم بسلطة الدولة اللبنانية وعدم التدخل الإيراني في الموضوع السوري على قاعدة إن طهران ودمشق حليفان طبيعيان وإن من يتسلم السلطة في سورية سيكون تلقائياً الحلف الأول للإيرانيين. ومن هنا يجب دعم الثورة السورية وقياداتها الوطنية في الداخل والخارج لإغلاق أي محاولات إيرانية لسرقة الثورة السورية والاستعداد لأي مواقف إيرانية مفاجئة فالإيرانيون يغيرون حساباتهم كلما وجدوا مصلحة في ذلك وكل ما نتمناه ألا تكون صفقة أوباما – خامنئي على حساب الأمن القومي العربي!
المصدر: جريدة إن إن الإلكترونية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق