العلمانيون وضلالاتهم /محمد يوسف عدس


المختصر/ أذكر أننى زرت تونس فى ثمانينات القرن الماضى بدعوة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لحضور مؤتمر انعقد فى مقر الجامعة.. وقد احتجت لشراء بعض أشياء فسألت أحد الزملاء التونسيين عن أقرب "محلّ" يمكن أن أذهب إليه فقال: نذهب إلى "المغازى".. ولم أفهم .. فقال: أنتم تسمونها "سوبرماركت" وهى كلمة أمريكية ونحن أخذناها من كلمة Magazan الفرنسية.. قلت له مُمَازِحًا: يعنى كلانا مصاب بالغزو الثقافي.. ولكنى أعلم أن كلمة مجازان عربية فى أصلها.. ونطقها الصحيح هو "مخازن".. وقد أخذها الإنجليزفى استخدام آخر فأطلقوها على المجلّة”Magazine” وقصدوا بها مخزن المعرفة و المعلومات.. ولكننا نحن العرب تحت تأثير الانبهار بلغات الغرب ومنتجاته الفكرية نقلّدهم ولا نتوقف لفحص أصول هذه الأشياء فكثير منها لها أصل عربي إسلاميّ .. ولو قُدِّمت إلينا بصيغتها الأصلية لاحتقرها البعض منا واعترض عليها واعتبرها رجعية و"ماضويـّة".. ولكنها تصبح جميلة وذات قيمة إذا نطقتْها (محرّفةً) ألسنةٌ أجنبية..
هل أقول : إن هذا بالضبط هو موقف المثقفين العلمانيين من الشريعة الإسلامية..؟! تعجّب كما شئت .. ولكن تعالَ معى نفحص هذه الحقائق التى تكشّفت لى...! وقبل كل شيء لا بد لى أن أعترف بأنه رغم ما قد يجمع بين الإسلاميين وفريق من العلمانيين المعتدلين فى الشأن الوطني إلا أننى أرى أن الصدام حتمي بينهما.. لا لشيء سوى الكبرياء والعجرفة العلمانية.. ولرصيدها المتراكم من الجهل وسوء الظن بالفكر الإسلامي.. الذى يجعلهم مستميتين فى استبعاد الإسلام والنظام القانوني للشريعة الإسلامية بصفة خاصة من السياسة والحكم..
فى هذا المقال أركّز على ضلالات الفكر العلماني: فلو سألت العلمانيين أى نظام قانوني تريدون لمصر الحديثة..؟؟ لما وجدت عندهم سوى إجابة واحدة هى: "لا.. للشريعة الإسلامية".. علما بأن القانون المصري فى أصوله مشتق من القانون الفرنسي (قانون نابليون).. وأن نابليون أقام قانونه على مبادئ من الفقه المالكي الذى تُرجم له أثناء الحملة الفرنسية على مصر.. ولكنه حرّف فيه بما يتناسب مع العقلية الفرنسية.. ونحن بدورنا سعدنا بالقانون المحرّف من شريعتنا.. لأنه أصبح ماركة فرنسية.. تماما مثل "المغازى" وإن شئت فهى "المخازي"...!
أقول: لقد ظهر فى التاريخ االعالمي أربعة نظم قانونية كبرى كان لها أكبر الأثر على قوانين العالم.. وهى: القانون الروماني ، والقانون الإسلامي "الشريعة" والقانون الإنجليزي والقانون الفرنسي المعروف باسم قانون نابليون .. ولكن يمكن الآن استبعاد القانون الروماني فلم يعد له إلا قيمة تاريخية.. حيث استوعبته وخلفته منظومتا القانون الفرنسي و القانون الإنجليزي.. ومعنى هذا أن العلمانيين ماداموا يرفضون العودة إلى الشريعة الإسلامية فليس أمامهم سوى القانون الفرنسي والقانون الإنجليزي..
وهذا الأخير معمول به فى إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، واستراليا ونيوزيلندة وباكستان والهند، وعدد آخر من المستعمرات البريطانية السابقة .. أما القانون الفرنسي فهو مستخدم فى فرنسا وفى عدد كبير من الدول التى كانت فى السابق مستعمرات فرنسية..
فإذا اكتشف العلمانيون بالصدفة [مثلا] أن المنظومتين القانونيتين الفرنسية والإنجليزية قد استندتا فى أصولهما أو تأثرتا تأثّرًا عميقا لا يمكن إنكاره بمبادئ الشريعة الإسلامية، فأكبر ظنى أنهم سيكونون بين أمرين: إما أن يكابروا كعادتهم.. وإما أن يفضلوا العودة إلى قانون الدكتاتور مبارك .. فقانون الهوى والمزاج الدكتاتوري هو أفضل لهم من الشريعة الإسلامية..
أول ملاحظة على منظومة القانون الإنجليزى أنها قائمة على أساس ما يسمى بالقانون العرفيCommon Law وهذا يعنى أن الأحكام القضائية تستند .. أو تأخذ فى اعتبارها رصيد الأحكام القضائية السابقة التى صدرت فى قضايا وحالات مشابهة .. لا حظ أن هذا الرصيد من الأحكام السابقة قد أصبح مصدرا [يُقاس عليه] فى الأحكام اللاحقة وهى نفس فكرة القياس التى قعّد لها فقهاء المسلمين فى علم أسموه "علم أصول الفقه"..
هذا مجرد تبسيط لنظام قانوني شديد التعقيد يلتزم فيه القضاة فى أحكامهم برصيد هائل من أحكام قُضاة كبار سبقوهم فى المجال وصنعوا بأحكامهم مصدرا قانونيا يطمئن القضاة والمتقاضون جميعا أنهم باتباعه والالتزام به يحصلون على أكبر قدر من العدالة..
الملاحظة الثانية: أن القانون الإنجليزي يحتوى على مفاهيم أساسية ثلاثة هى: الـ( Jury) و الـ(Contract) و الـ( Trust)، ولو تأملت فيها جيدا بعين الخبير وعلمت ماذا يُقصد بها فى القانون اللإنجليزي فسوف يتبين لك أنها ترجع إلى أصول إسلامية لا شك فيها فقبل ظهورها خلال القرن الثانى عشر الميلادي لن تجد لها مصدرا آخر فى أوربا كلها سوى مصدرا واحدا فى جزيرة سيسلى الإيطالية حيث سادت الثقافة والفكر الإسلامي مترجما من العربية إلى اللغة اللاتينية..
يكره الإنجليز أن يعترفوا بهذه الحقيقة.. ولكن بروفسور "جون مكدسى" عميد كلية الحقوق بجامعة ليولا السابق يتحدى -فى دراسة موثّقة- الفكرة التقليدية أن القانون الإنجليزي قد تم تطويره من قوانين أوربية خالصة؛ بل يؤكد لنا فى دراسته لنشاة القانون الإنجليزي (خلال القرن الثانى عشر الميلادى) أن هناك عناصر لا يمكن إنكار نسبتها إلى الفقه الإسلامي ..
يقول جون مكدسى: "خلال هذه الفترة من الزمن كان "توماس براون" يعمل وزيرا لمالية الملك هنرى الثاني ملك إنجلترا .. وكان "براون" هذا يعمل فيما سبق مديرا للمالية فى بلاط الملك روجر الثانى ملك جزيرة سيسيلى، وكان مسئولا عن كثير من الإجراءات المالية والقانونية المختلفة لهذه الدولة الجزيرة.. وقد اعتاد براون أن يستخدم قوانين الشريعة الإسلامية التى كانت سائدة خلال هذه الفترة هناك .. ونظرا لهذه الخبرة الحميمة و العميقة بأحكام الفقه الإسلامي توفرت لديه حصيلة من التقاليد القانونية الإسلامية استطاع أن يستخدمها فى عمله عندما عاد إلى وطنه الأصلي فى إنجلترا.."
ويتابع بروفسور مكدسى فيقول: " على إثر عودة براون مع عدد آخر من النبلاء الإنجليز المغتربين من سيسلى إلى إنجلترا حدثت ثورة خطيرة فى النظام القانوني الإنجليزي.. فلم يكتفِ هنرى الثانى بإصلاح مبادئ القوانين النورماندية القديمة التى ورثها من الملوك السابقين عليه ، ولكنه جاء بأفكار قانونية راديكالية جديدة ليس لها مثيل فى أى قانون أوربي آخر، وإنما تحمل علامات لا يمكن إنكارها من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية.. من بين هذه الأفكار نظام "الجوري "وهو المقابل لمنظومة اللفيف( المؤلفة من إثني عشر شاهدا) مشهود لهم بالعدالة والخبرة، ينظر القاضى فى شهادتهم الموثّقة قبل إصدار حكمه النهائي فى القضية..
ويقول بروفسور مكدسي: إن فكرة "العقد" التى بمقتضاه تنتقل الملكية آليًّا بمجرد النطق به لم تكن معروفة فى أي قانون إلا فى الشريعة الإسلامية، وكذلك فكرة "الاستحقاق" المتعلقة بالملكية نزعا إو إثباتا، ودعوى الاستحقاق، وحكمه وأسبابه وشروطه، وحقيقة العقار المنقول، والاستحقاق فى البيع والشفعة والإرث.. عالم واسع من الفكر القانوني لم يكن فى النظم القانونية الأوربية كلها مثيل له حتى تبنّاه الملك هنر الثاني اقتباسا من الفقه الإسلامي..
حتى أسلوب التعليم القانوني اقتبسه هنرى الثاني من المدارس الإسلامية الملحقة بالمساجد.. التى كان يسكن فيها ويتعلم طلاب الشريعة المذاهب الفقهية المختلفة.. على غرار هذه المدارس أنشأ الملك الإنجليزي مدارس لطلاب القانون ملحقة بالمحاكم يسكن فيها الطلاب ويتعلمون القانون على أساتذتهم من القُضاة..
وقد استقرت هذه الممارسات القانونية التى استعارها الملك من الشريعة الإسلامية فى النظام القانوني الإنجليزي والأمريكي وأصبحت جزءً من تراثهم المقدس .. دون أن يعرف أحد أنها تنتمي إلى أصول إسلامية..
أنا لا أزعم أن الإنجليز والأمريكان لم يسْهموا فى تطوير الفكر القانوني .. ولكن هدفى البسيط والواضح هو أن أنبه إلى أن الصخب الهستيري الذى يثيره المتطرفون الأمريكيون وعملاؤهم العلمانيون فى مصر ضد الشريعة الإسلامية إنما يشيرون فى نفس الوقت بأصابع الاتهام إلى النظام القانوني الأمريكي/الإنجليزي نفسه لأنه مؤسس فى أصوله على مفاهيم مقتبسة من الشريعة الإسلامية.. يعلمون هذا أو يجهلونه ... هذه مسألة أخرى...!
ولكن قبل أن يتمطّع العلمانيون ويتذاكَوْن على الإسلاميين بقولهم: مادام النظام القانوني الإنجليزي قد استوعب القانون الإسلامي وطوّره فلماذا لا نأخذ به..؟! أقول لهم عليكم أن تفكّروا أولا لتفهموا أن القانون الإسلامي مقارنة بالقانون الإنجليزي ما يزال متقدّما فى أمور كثيرة.. وأنا هنا مضطر لاستخدام مصطلحات فقهية غير مألوفة للقارئ العادي .. فأقول: إن التمييز بين "الحكم التكليفيّ و "الحكم الوضعي" فى الشريعة الإسلامية لم يكن معروفا ولا معمولا به فى النظام الإنجليزي حتى اكتشفه القانوني الشهيرH.L.A. Hart (من جامعة أكسفورد) سنة ١٩٦٠ فى كتابه:" The Concept of Law، حيث أطلق عليه إسم: "القواعد الأولية والثانوية".. ولم يعلم أن الإمام الشافعى قد سبقه بالكشف عن هذه الحقيقة بألف سنة من الزمن .. ومعنى ذلك أنه كان من واجب الإنصاف أن يُنسب الاكتشاف العلمي إلى صاحبه الأصليّ الإمام الشافعي..
وأضرب لك مثالا بسيطا عن أهمية التمييز بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي فى قضية واحدة: باع شخص ما لشخص آخر مخدرات وقبض الثمن فانتقلت إليه الملكية قانونيا بفعل الحكم الوضعي.. وتستطيع أن تتبيّن فى الحكم الوضعي ثلاثة محاور أساسية هى: السببية والشرط والمانع وهى تعمل معا متفاعلة فى أى حكم.. وفى هذه الحالة لا يوجد [مانع] من إنفاذ العقد بنقل ملكية المخدرات لمن دفع ثمنها..
ولكن فى ضوء الحكم التكليفي نحن أمام مجموعة أخرى من القواعد الشرعية تتعلق بالحلال والحرام فى الأعمال والأحكام .. وتطبقا على حالة بيع المخدرات فى ضوء الحكم التكليفي يكون البيع باطلا والعقد باطلا.. لا يترتب عليه حقوق لأحد بل يستوجب توقيع العقوبة على جميع الأطراف..
لا بد أن أضيف هنا حقيقة أخرى عن عبقرية الشافعي القانونية .. فخلال مناقشة مع أستاذ لست فى حل من ذكر اسمه الآن.. ولكنه حجة فى تحليل نوعية الأحكام، وشريك لبروفسور "رونالد سْتامبر" فى تطوير نظرية حديثة فى تحليل النظم يطلق عليها إسم: Semantic Analysis .. قال: إن الشافعي لا يزال متقدما على بروفسور هارت فى أمور أخرى فقد قام الشافعي بتصنيف "الحكم الوضعي" تصنيفا دقيقا و قدّم النظرية التى أقام عليها هذا التصنيف.. مما لا يزال مجهولا وغير مفهوم من قِبل فقهاء القانون الإنجليز حتى هذه اللحظة.. ولو تم استيعابها لكان لذلك أثر كبير فى فهم الاستنباط وإقامة الأحكام على أسس أصحّ، وأشد رسوخا.. ولكان لها تأثيرعملى عميق فى مجالات أخرى مثل تحليل النظم وإدارة المشروعات العملاقة فى نظم المعلومات..
لم تقتصر عظمة الفقه الإسلامي على أنه أكثر تقدّما من النظم القانونية الأخرى، ولكنه يتفوق عليها برصيد هائل من التجربة العملية فى التطبيق قرونا من الزمن.. وفى العديد من البيئات الثقافية المختلفة.. أما القانون الإنجليزي والفرنسي فقد انحرفا إلى مسارب مظلمة شتى.. مما أدى إلى تفكيك وحدة الأسرة فى المجتمعات الغربية .. وأخطر ما انحرف إليه القانون الإنجليزي أنه لم يستفد من تحريم الربا فى الشريعة الإسلامية.. لذلك أقول بكل ثقة أن العالم الآن يعيش لحظة من أخطر لحظاته التاريخية، فهذا الانحراف وحده جعل العالم الأنجلو ساكسوني وكل توابعه من دول العالم على حافة انهيار مالي واقتصادي مروّع ..
إن الجدال العلماني العقيم ضد النظام الإسلامي هو نوع من الجنون يرتكبه العلمانيون المتطرفون الذين قطعوا جذور الاتصال بثقافتهم الإسلامية الأصيلة وأهالوا التراب بجهلهم وحماقتهم على أعظم كنوز هذه الأمة .. حتى أصبح الواحد منهم عاجزا عن فهم صفحة واحدة فى أصول الفقه .. عاجزا عن الاتصال باجتهادات أئمة الفقه وعلمائه القدامى أو المحدثين.. عاجزا حتى عن قراءة آية واحدة من القرآن قراءة صحيحة.. ثم يخرج علينا بعد ذلك متبجّحا بفتاوى ونصائح فيما ينبغى وما لا ينبغى من أمور السياسة والدين والحياة..
فهل يمكن أن يُؤتمن أمثال هؤلاء الحمقى.. الجُهّال بثقافة الأمة.. على مستقبل هذه الأمةومصيرها...؟!
المصدر: المصريون

العلمانية ضد الدين: الظروف التاريخية لنشأة العلمانية في الغرب (الحلقة الأولى)


منذ أن انطلقت حركات التغيير –الثورات إن صح التعبيرلأن الثورة تعني التغيير الجذري للواقع القائم، وإحداث تغيير ملموس في بداياتها والتأثير بنسب متفاوتة في الواقع تنتهي بالتغيير الجذري والحقيقي على جميع الأصعدة، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي ومحاربة الفساد وغيرها، ولكن الذي حدث في بعض أقطارنا العربية ليس تغييراً جذرياً بقدر ما هو تغيير محدود لبعض الوجوه في الصفوف الأولى وذات الأدوار الرئيسة في الأنظمة السابقة واستبدالها بوجوه من الصفوف التالية من نفس النظام كانت جزء أصيل منه وتتحمل عبئ كبير أو صغير من أخطائه وجرائمه! أضف إلى ذلك أنها مازالت حارس أمين لنفس نهج الأنظمة السابقة سواء سياسياً أو فكرياً، خاصة أنها حريصة سياسياً على استمداد شرعيتها من الخارج المعادي لمصالح وطموحات الأمة في العدالة والتحرر والاستقلال الحقيقي (العدو اليهودي-الغربي)، كما أنها حريصة فكرياً على نفس نهج الأنظمة السابقة في ولائها للنهج الغربي العلماني ومحاربتها للدين ومنع الجماهير من تقرير مصيرها واختيارها المنهج الذي يحكم حياتها!.
والأخطر من ذلك -لأنه قد يكون أمر طبيعي أن يستمر مًنْ تربى في مدرسة الأنظمة السابقة على نفس النهج في الفكر والممارسة- أن الاتجاهات السياسية الحزبية والتنظيمية -الوجه الآخر للنظام- التي كانت معارضة للأنظمة السابقة وركبت موجة حركة الشباب التغييرية التي لو استمرت بعيداً عن هيمنتها وسيطرتها كان ممكن أن تكون ثورة حقيقة وتُحدث تغييرات جذرية في واقع الأمة، للأسف أنها لعبت دوراً كبيراً في إجهاض نواة الثورة الحقيقة وقطع الطريق على نضوجها لأنها استعجلت قطف الثمار والوصول إلى غايتها الحقيقية –الكرسي- وليس التغيير الحقيقي الذي لو كان هو هدفها لتريثت وتركت الثورة تأخذ دورتها كاملة في تحقيق أهدافها، ولكننا وجدنا بعضها سارع إلى التحالف مع رموز النظام السابق التي تقدمت الصفوف لإجهاض الثورة بزعم حماية إنجازات الثورة ومكاسب الشعب وحقن الدماء وهي في الحقيقة جاءت لتحمي نهج النظام السابق وإلى حد ما رموزه من خلال حماية نهجهم! ولم تكتفِ تلك الأحزاب السياسية المعارضة يذلك بل وتحالفت مع العدو اليهودي-الغربي سواء كان ذلك علناً أو من خلال إرسال الرسائل أو الاتفاقيات في الكواليس وطمأنته على حماية مصالحه في وطننا وبعضها وعد بحفظ أمن العدو الصهيوني ومزيد من التطبيع معه. بمعنى أنها سعت للحصول على شرعيتها بانتهاج نفس نهج الأنظمة السابقة التي كانت تأخذه عليها وتنتقدها وتهاجمها وتحرض الجماهير ضدها بسببه، أي أنها كما كانت الوجه الآخر للنظام في صفوف ومقاعد المعارضة فإنها ستكون امتداد للأنظمة السابقة في الفكر والمنهج والممارسة وليست بديلاً عنها أو انقلاباً عليها!.
منذ تفجر تلك الحركات التغييرية عاد إلى الساحة السياسية والفكرية الصراع القديم الجديد حول نوع النظام السياسي الذي يصلح للحكم في بلادنا، فمن مطالب بنظام علماني على اعتبار أنه أفضل ضمانة للمساواة في حقوق المواطنة لجميع أبناء القطر على اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم الدينية، إلى مطالب بنظام ديني ودولة دينية إسلامية، إلى مطالب بدولة إسلامية تتفاوت في مدى مدنيتها أو العكس بدولة مدنية تتفاوت في مدى دينتيتها إن صح التعبير. والبعض اعتبر أن العلمانية ليست ضد الدين وذهب البعض إلى أن الإسلام أول من أسس العلمانية الحقيقية، ومثل هذا إما أنه أسلوب خبيث لتضليل الشباب والجماهير عن حقيقية العلمانية للدين وخاصة الإسلام، أو أنه جهل بحقيقة العلمانية وظروف نشأتها في الغرب ...إلخ، وجاء أخيراً السيد طيب رجب أردوغان ليفجر قنبلته ويدعو أقطارنا إلى إقامة أنظمة علمانية، وما تفجر بعدها من اتهامات من البعض عن مدى ارتباط أردغان وتركيا بالمصالح الصهيونية الغربية، وأن حزب العدالة والتنمية -الإخوان المسلمون- في تركيا يلعب دور العراب لتلك المصالح في وطننا! وليس موضوعي الدفاع أو الهجوم على الدور التركي؛ ولكن أوضح موقفي الثابت منه منذ سنوات وقد طرحته في كثير من الحوارات هنا في مراكز دراسات رداً على مَنْ يهاجم حزب العدالة والتنمية التركي أو تصحيحاً لمَنْ يدعو لأن يكون مثلاً وقدوة للأحزاب الإسلامية في بقية أقطار الوطن وخاصة العربية منها، وهو:
أن لتركيا خصوصيتها وظروفها الخاصة منذ أن حاول أن يفصلها أتاتورك وتلامذته الأوفياء لنهجه العلماني المعادي للإسلام والمسلمين عن دينها ومحيطها الإسلامي، ولذلك يجب أن يكون للإسلاميين في تركيا تجربتهم الخاصة التي هم أدرى بصلاحيتها لواقعهم العلماني ولتفادي الصدام المبكر مع حراس العلمانية من قادة الجيش والفكر العلماني وأجهزة المخابرات الصهيونية والغربية المتغلغلة في كل مؤسسات وأجهزة الدولة التركية ومتحالفة معها ضد الأمة والدين، وأنه يجب علينا ألا ننتقد نهجهم الذي يختارونه بما يتناسب وواقعهم السياسي والأمني من خلال تجربتهم وآخرها ما حدث مع الزعيم الإسلامي أربكان ومحاكمته وسجنه وقد فاز برئاسة الوزراء، ولكن أن يدعو البعض أو يدعو هم إلى انتهاج تجربتهم ونهجهم في وطننا فذلك خطأ وقلة وعي باختلاف الواقع والتجربة، وإن كان ذلك لا يعني ألا يستفاد من تجربتهم بما يتوافق مع خصوصية تجربتنا في أقطارنا العربية ولكن لا يكون استنساخ لتجربتهم!.
ذلك ما يدعوني لإعادة نشر محاضرة ألقيتها منذ سنوات في أحد مراكز الدراسات هنا بصنعاء عن "تعريف العلمانية والظروف التاريخية لنشأتها في الغرب"، وأن تاريخ الغرب كله علماني سواء في مراحله البدائية والوثنية أو عصوره الوسطى وحكم رجال الدين والكنيسة أو عصور الحديثة، وسأقسمها لحلقات، وأرجو أن يعذرني القراء إن تأخرت في نشر بعض الحلقات لأن ذلك مرتبط بتوفر التيار الكهربائي وإن شاء الله يعود إلى الانتظام، فأنا كتبت المقدمة منذ تصريحات أردوغان ولم تسعفني الكهربائي لمراجعتها وتقسيم المحاضرة لحلقات إلى الآن.
تعريف العلمانية
تأخذ المفاهيم والمصطلحات حيزاً كبيراً في صراع الأمة مع الآخر اليهودي-الغربي، وقد بات ما يُعرف باسم "معركة المفاهيم والمصطلحات" يشكل جزءً مهماً من معركة الآخر معنا، الذي باتت أهدافه وغاياته في وطننا واضحة المعالم، كما أنه لم يعد يُخفي نواياه في استهداف أغلى وأثمن ما تملك الأمة، عقيدتها ودينها وقيمها، أضف إلى ذلك أن أعوانه من أبناء جلدتنا ووطننا لم يعودوا يتخفوا بأقنعة تُجمل كلماتهم وتُخفي سمومهم وسهامهم التي كانوا يوجهونها إلى ظهر أمتهم وعقيدتها، ولكنهم شهروا أقلامهم سيوفاً ماحقة دون خجل أو حياء، وكشفوا عن حقيقة وجوههم وتفاخروا وتباهوا بعلاقاتهم وارتباطاتهم الخارجية، وأصبحوا يدعون ويمارسون علانية سياساتهم الهدامة والمدمرة لكل ما تبقَ في الأمة ومجتمعاتها من عوامل قوة وتماسك.
ومن تلك المصطلحات الخطيرة مصطلح (العلمانية)، وتلك الترجمة الخاطئة لأصل الكلمة الإنجليزية التي يتداولها الكتاب والعامة منذ عقود طويلة! وقد يتوقع البعض أنني سوف أتناول الموضوع بحكم العنوان: "الظروف التاريخية لنشأة العلمانية في الغرب"، بنفس الطريقة التقليدية التي تحدث بها الكتاب والمفكرين عن تاريخ وأسباب نشوء العلمانية في الغرب، إلا أني سأعرض الموضوع من خلال رؤية جديدة أحاول فيها إعادة قراءة تاريخ الغرب، وإن كانت تلك الرؤية تتفق في كثير أو قليل في مضمونها مع آخرين، إلا أنها تختلف إلى حد ما في منهجية طرحها وسياقها العام.
وللأمانة العلمية وحق حفظ جهد الآخرين في البحث والدراسة لضيق وقتي وبطئي في الطباعة، كانت الفكرة كما قدمت موجودة لدي ولدي تصور عما سأطرحه في هذه المحاضرة ومادتها المتوفرة في بعض الكتب، وإن كانت ليست بنفس السياق والرؤية التي أريد إلا في النادر القليل، إلا أني قد وُفقت للحق برسالة دكتوراه للدكتور سفر الحوالي، ووجدت لدية معظم الأدلة التي كنت أريدها مطبوعة وجاهزة، وكذلك أضاف لي فكرة كثير مهمة لرؤيتي ومن حقه أن تُحسب له، وهي: الربط بين الداروينية والميكافيللية كما سيتضح في المحاضرة، لذلك استعنت بجزء مما احتجته من أدلة من رسالته مطبوعاً. كما أني أوصي لكل مهتم بقراءة تلك الرسالة فهي قيمة جداً وفيها قراءة جديدة ونادرة ومتميزة لتاريخ الغرب يفتقدها الكثيرين.
العلمانية تبدو لأول وهلة للناظر فيها أنها كلمة عربية مشتقة من العلم، ولو كانت كذلك فإنها مرحب بها من وجهة النظر الإسلامية لاهتمام الإسلام بالعلم والعلماء،ولكن حينما تكون وسيلة من وسائل الغرب لخداع المسلمين فإن الأمر يصبح خطير،إذ لا تبقى على ظاهرها لفظاً ومعنى، وإنما تكون ترجمة عربية خاطئة للفظ أجنبي له مدلوله ومعناه الخاص في البيئة الغربية، مثل كثير من الألفاظ الأجنبية التي تم ترجمتها ترجمة خاطئة سواء عن جهل المترجم بمعناها الحقيقي ومدلولها أو لإخفاء حقيقتها عن أبناء وطنه من المسلمين حتى لا يستثيرهم ضدها من البداية، ليعطي الفرصة والوقت لتثبيت تلك المعتقدات والمفاهيم والمصطلحات المعادية للأمة في مجتمعاتنا وعقول أبنائنا بمفهومها الخاطئ، وليصبحوا حراس أمناء عليها ويطالبون بتطبيقها في وطننا بكل ما فيها من مخاطرها على مستقبل الوطن وأجياله معتقدين أنها هي خلاص الوطن والأمة من واقع الجهل والتخلف الذي كرسته الأنظمة العلمانية نفسها، ولا يدرون أنهم بذلك هم يكرسون التبعية والاحتلال للوطن وعقول أبنائه من خلال تكريس منهج الغرب وأخلاقياته وممارسة واقعاً في حياة الأمة!.
فالعلمانية ترجمة خاطئة لكلمة سيكولارزم (Secularism) في الإنجليزية، أو سيكولاريت (Secularite) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ "العلم" ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (Science)  والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism) والنسبة إلى العلم هي (Scientific) أو  (Scientifique) في الفرنسية. والترجمة الصحيحة للكلمة في اللغة الإنجليزية هي (اللادينية) أو (الدنيوية) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد. ذلك يعني أن العلمانية تعني اللادينية، وليست مشتقة من معنى العلم! وذلك ما سنلقي عليه مزيداً من الضوء من خلال عرضنا لبعض معاني كلمة (سيكولاريتيSecularity) والترجمة الصحيحة لتعاريفها التي توردها المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية:
يُعرف معجم ويبستر الشهير العلمانية: بأنها "رؤية للحياة أو أي أمر محدد يعتمد أساساً على أنه يجب استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها"، ومن ثم فهي نظام أخلاقي اجتماعي يعتمد على قانون يقول: "بأن المستويات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تُحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعاشة والرفاهية الاجتماعية دون الرجوع إلى الدين".
وتقول دائرة المعارف البريطانية مادة (Secularim): "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيهم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".
ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الأخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ (Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة. وظل الاتجاه إلى الـ (Secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة (للمسيحية).
وفي قاموس "العالم الجديد" لو بستر، شرحاً للمادة نفسها ذكر لها عدة معانٍ:
1- الروح الدنيوية، أو الاتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك. وعلى الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات(Practices)  يرفض أي شكل من أشكال العبادة.
2- الاعتقاد بأن الدين والشؤون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة وخاصة التربية العامة".
ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة ( Secular):
1- دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحياً: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
2- الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية".
ويقول "المعجم الدولي الثالث الجديد" مادة (Secularism): "اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعاداً مقصوداً، فهي تعنى مثلاً "السياسة اللادينية البحتة في الحكومة". ويضيف: "وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين".
ويقول المستشرق "أر برى" في كتابة "الدين في الشرق الأوسط" عن الكلمة نفسها: "إن المادية العلمية والإنسانية والمذهب الطبيعي والوضعية كلها أشكال اللادينية، واللادينية صفة مميزة لأوروبا وأمريكا، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط فإنها لم تتخذ أي صيغة فلسفية أو أدبية محددة، والنموذج الرئيسي لها هو فصل الدين على الدولة في الجمهورية التركية".
وبناء على ذلك فإن التعبير الشائع عندنا بأنها (العلمانية) تعني (فصل الدين عن الدولة)، هو في الحقيقة لا يعطى المدلول الكامل لمعنى ومدلول العلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل أنها "فصل الدين عن الحياة" لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية "إقامة الحياة على غير الدين" سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود: فبعضها تسمح به، كالجماعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمى منهجها (العلمانية المعتدلةNon Religious) أي أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين، وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفةAnti Religious)، أي المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها.

لماذا سلط الله النصيرية على المسلمين بأرض الشام؟ / جمال عفيفي


المختصرسلط الله سبحانه أعداءه (النصيرية) على أوليائه المسلمين بأرالشام فقتلوهم وعذبوهم وانتهكوا أعراضهم وفتنوهم عن دينهم،فلا تستغرب أيها المسلم، فلله الحجة البالغة وله الحكمة الباهرة، ولا يقضي الله لعباده المؤمنين قضاء إلا وهو خير لهم "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".
لكن قبل كل شيء ينبغي للمسلم أن يوقر ربه ويعظمه في كل حال، فهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل، لكمال حكمته، يقول الإمام الطبري فـ"لا سائل يسأل رب العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال وغير ذلك من حكمه فيهم; لأنهم خلقه وعبيده وجميعهم في ملكه وسلطانه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له: لم فعلت؟ ولم لم تفعل؟".
وإنما تصدى من تصدى لهذا السؤال من باب تثبيت المؤمنين ومحاولة التخفيف عنهم، بالتدبر لكلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ومطالعة كلام أهل العلم الذين فقهوا عن الله عز وجل.
يقول العلامة محمد ابن عُثيمين رحمه الله في تفسير سورة البروج عند تفسيره قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
"في هذه الآيات من العِبر:
أن الله سبحانه وتعالىقد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله عز وجل الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم، وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلاً نحن نسمع ما يحصل من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تُبكي، فنقول: سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين؟
نقول يا أخي:لا تستغرب فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالاً فيمن سبق، يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في بلاد المسلمين هذا رفعة درجات للمصابين، وتكفير السيئات، وهو عبرة للباقين، وهو أيضاً إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر.
وفي هذه الآيات من العِبر:
أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئاً واحداً وهو: أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومنأنكره فهو الذي يُنكر عليه"اهـ.
ومن الحكم في هذا التسليط ما يفهم من قوله تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا} قال صاحب التبيان في تفسير القرآن: وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان: أحدهما لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي يستحقون به عظيم الأجر، ويحط كثيرا من الذنوب.
ومن الحكم ما سطره ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان حين قال "أن ابتلاء الله بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحياناً فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل،
فمنها:استخراج عبوديتهم وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مقهورين مغلوبين منصوراً عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كان للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين، أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غَلَبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه..
ومنها:-أي من الحكم- أنهم لو كانوا دائماً منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.
ومنها:أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السّراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في تلك الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم قلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها تلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
ومنها:أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم، كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.
فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان، وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله، فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله، ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولًا بين الناس، فيصيب كلا منهم نصيبه منها كالأرزاق والآجال، ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم -وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه- ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين، فيعلم إيمانهم واقعًا ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة، لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد، ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي: تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة، والرجوع إليه، واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد، ولا صبر، وأن حكمته تأبى ذلك، فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم..فهذا بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم، وإدالته في بعض الأحيان".
بشرى للمؤمنين
وليعلم أهل الإسلام أن الله وإن مكن الكافرين من أذية المؤمنين في بعض الأحيان فإنه قضى ألا يمكن الكفار من استئصال شأفة المسلمين واستباحة بيضتهم، قال ابن كثير عند قوله سبحانه {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} "أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا".
وليبشر أعداء الله النصيرية بخزي الله عز وجل لهم وعذابه المهين، فهو يمهل ولا يهمل، والجزاء من جنس العمل، وجزاء الاستكبار والعتو على الله هو الإهانة في الدنيا قبل الآخرة،قال سبحانه: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون}.
ويأبى الله سبحانه أن يهلك يأجوج ومأجوج - الذين استكبروا وقالوا قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من السماء – إلا بالدود في رقابهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يأذن الله بقتل يأجوج ومأجوج "فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة".
المصدر: عودة ودعوة

أسلمة العَلمانية / فهد بن صالح العجلان


المختصر / ساعدني - أيها القارئ الكريم - لتخطِّي التفاصيل الكثيرة التي تثيرها مفردة (الأسلمة)، وأمتع بصرك معي بالمعنى الجميل الذي يبهر الناظرين في جمالية هذه الأسلمة؛ ما أروع انجذاب النفوس إلى دينها وحرصها الشـديد على انسجام حياتها مع ما يريده الله منها، إن حضوره العميق يجعل أي سلوك أو منتَج مخالف للدين سبباً لإثارة الوخز والتأنيب الذي يشتعل في الضمائر فلا يتوقف إلا بإصلاح هذا السلوك، وهو ما أحيا أي مشاريع تسعى للأسلمة مهما كان اختلافنا في تقويمها.
لم تقف ظاهرة الأسلمة على البحث في مشروعية بعض المنتجات والمتغيرات المعاصرة، بل شملت حتى الأفكار والاتجاهات المنحرفة؛ فالصوت الفكري الذي كان يقدم نفسه ندّاً للخطاب الإسلامي ويسلك مساراً معاكساً للرؤية الدينية، رجع صداه ليبحث في التراث والنصوص والأقوال الإسلامية عما يسند اتجاهاته لتكون مقبولة لدى الناس، فشملتهم ظاهرة الأسلمة في من شملت، فلله در المسلمين أيُّ عظمة للإسلام تسكن في ثنايا نفوسهم.
المثير للانتباه: أن ظاهرة الأسلمة شملت حتى الفكرة العَلمانية ذاتَها، فالفكر العَلماني الذي نشأ منابذاً للخيار الإسلامي تحديداً، ما دار عليه الزمان حتى صار العَلمانيون يقدمون أنفسهم مجتهدين في فهم النص الشرعي ومستمسكين بتفسير من تفسيراته معتمدين على أقوال المذاهب وفتاوى العلماء.
يعني هذا: أن جمال هذه الأسلمة يجب أن لا يخدع العين عن إبصار أشكال التحريف التي تأتي على الأحكام الشرعية في ثناياها، بغضِّ النظر عن الدوافع النبيلة التي قد تحركها.
أسلمة العَلمانية تأتي على مستويين:
مستوى العلمانية المتطرفة: التي تحتفظ بموقف عدائي تجاه الدين وتشمئز من كافة مظاهر للتدين، فهذه عَلمانية مكشوفة وغير جذابة، ومحاولةُ أسلمتها بجعلها غير معادية للإسلام عملية استهلاك رخيصة لا تتجاوز في تأثيرها حدود مساحة التصوير التي تتحر ك فيها.
مستوى العلمانية الأقل تطرفاً: وهي التي تتفهم وجود الدين، وتؤمن بضرورة مراعاته مكوناً للمجتمع في ما دون مستوى القانون والإلزام؛ فهو موجود خياراً شخصياً وقيماً محفِّزة نحو العمل والتنمية؛ لكنه مقصىً تماماً عن التأثير على القوانين أو الحريات أو أي تفسير لها.
هذه الدرجة العَلمانية هي المفهوم الخطر الذي تسرَّبت مفاهيمه لدى بعض الناس من دون أن يشعر، حتى جاءت بعض المحاولات والتفسيرات التي تسعى لأن تجعل مثل هذا التصور العَلماني مقبولاً ومفهوماً في التصو ر الإسلامي، فاندفعت مجموعة من التفسيرات المختلفة التي تسعى لتقديم النظام السياسي الإسلامي بكيفية متلائمة مع هذا التصور العَلماني.
من هذه التصورات المؤسلِمة للعلمانية:
التصور الأول: أن النظام السياسي في الإسلام جاء بمبادئ وكلِّيَّات عامة ولم يأت بأحكام وتشريعات محدَّدة، فالواجب هو تطبيق المبادئ العامة: من العدل والحرية والشورى والمساواة، وأما كيفية ذلك، فهذا مما يُختلَف في تقديره كل عصر.
وهذا تصوُّر لذيذ جداً للفكرة العلمانية؛ لأن مشكلتهم مع بعض الأحكام والتفصيلات الشرعية، وأما المبادئ والكليات فمن خاصيتها أنها واسعة ومرنة؛ يمكن الدخول والخروج منها بكلِّ اطمئنان، وحين نقول: إن الإسلام جاء بمبادئ ولم يأتِ بتشريعات. فنهاية هذا الكلام: أن الإسلام لم يأتِ في النظام السياسي بشيء؛ لأن هذه الكليات موجودة عند كل الأمم والحضارات، ولا يوجد أحد في الدنيا لا يأخذ بهذه المبادئ، غير أن لكلِّ ثقافة تفاصيلها ومحدِّداتها لهذه المفاهيم، وحين نلغي الأحكام الشرعية المفصَّلة لهذه المبادئ فإننا في الحقيقة قد ألغينا الحكم الإسلامي؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من استحلَّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباعٍ لما أنزل الله فهو كافر)[1]؛ لأنه في الحقيقة لم يأخذ من الإسلام بشيء؛ فالكليات معنى ذهنيٌّ تجريديٌّ لا يقوم بدون تفصيلات وتفريعات.
يقولون: نأخذ بـ (الكليات دون الجزئيات) و بـ (الأصول دون الفروع) أو بـ (المبادئ دون التشريعات) و بـ (المقاصد دون الوسائل)... كلها صيغ مختلفة لإشكالية واحدة، إشكالية إبعاد بعض الأحكام الشرعية عن التأثير، وحين تبتعد الفروع والجزئيات فإن الكليات والمقاصد التي يؤتى بها تكون مقاصد وكليات أخرى ليست هي الكليات والمقاصد الشرعية؛ فالمقصد الشرعي والكلي الشرعي معتمَد ومفسَّر بجزئياته وفروعه الشرعية[2].
لا تقل: هـذا حكـم جـزئي أو ظنـي أو مختلَف فيـه، فأبداً - والله - لا يمكن أن يهون في قلب مسلم إبعادُ أو تحريفُ أي حكم شرعي لأي سبب كان وهو يقرأ قوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].
التصور الثاني: أن النظام السياسي في عصر الإسلام كان يقوم على رابطة دينية مرتبطة بظرف ذلك الزمان، وقد تغير هذا الوضع في عصرنا؛ فأصبحت الرابطة التي تجمع أفراد الناس هي الرابطة الوطنية لا الدينية، وحينها فكافة الأحكام الشرعية المتعلقة بالجانب السياسي هي أحكام تاريخية، ومعها سيتم التخلص من إشكالية حضور الدين في النظام السياسي.
وحين نمسك خيوط لوازم هذا القول فلن نصل إلى نهايتها إلا بعد أن نكون قد نكثنا الغزل عن رسالة الإسلام بالكلية؛ لأن بإمكان أي أحد أن يلغي أي حكم شرعي أراد بسبب أن هذا الحكم كان مرتبطاً بظرف زمني قد انتهى، بل حتى الصلاة والزكاة والصيام والحج يمكن أن يقال: إنها عبادات نشأت في ظرف زمني كان الناس فيه بحاجة إلى التعبد بطريقة معيَّنة[3]. فحقيقة هذا القول أنه فرع من تفسير تاريخية النص، الذي يجعل النص الشرعي فاعلاً في مكانه وزمانه وما عاد له وجود في هذا الزمان كما هي رؤية العَلمانية المتطرفة.
هذا التفسير يتصور أن الدين كان هو رابطة المسلمين في ذلك الزمن مصادفة وتوافقاً مع الظرف التاريخي ليس إلا؛ فهو في الحقيقة - وإن لم يرد - ينطق بالمفهوم العَلماني في جعل الدين علاقة فردية لا تتصل بالسلطة، فحين ارتبطت فإنما كان لظرف زمني معيَّن.
لازم هذا الكلام: أن أحكام الشريعة المتعلقة بالكفار والجهاد والحريات ونحو هذه المعاني الدينية المحضة، إنما كانت استثناء فرضتها ظروف ذلك الزمان، فهذا يستبطن انتقاصاً لها؛ حيث لم يلتزم بها المسلمون لكمالها وشرفها؛ وإنما لحال زمانهم فقط، وهي تنظر للإسلام بالعين العَلمانية التي لا تفقه من مصالحها إلا ما كان متعلقاً بمعيشتها الدنيوية{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:٧]، وتنسى في غمرة انبهارها بالنموذج السياسي المادي: أن المصالح الدينية هي الأصل والغاية في رسالة الإسلام تحقيقاً لغاية الله في الخلق{وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات56] فمصلحة الدين هي الأصل في الرسالة، وليست استثناء عارضاً جاء لظروف الزمان.
التصور الثالث: أن الإسلام ليس فيه إلزام وإكراه وإجبار؛ وإنما هو اختيار ورغبة؛ فهو دين دعوة لا قضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس إلا نصحاً وتذكيراً وليس فيه منع أو إلزام. وتسير معهم في هذا المضمار حتى تصل وإياهم إلى أنه لا وجود لإلزام أو منع منطلق من رؤية دينية، فيتم تخفيض الحكم الإسلامي من خاصية القانون والنظام إلى مستوى النصح والتذكير والدعوة، وهو مستوى يروق جداً للنخب العَلمانية لكنه منابذ لشريعة مَن يقول: «من رأى منكم منكراً فَلْيغيره بيده...» فجعل أُوَلى درجات التعامل مع المنكرات هو التغيير بالقوة، وليس ثَمَّ إشكال في تقييد استعمال القوة لتكون بيد السلطة، أو يكون ثَمَّ ضوابط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكن هذا كله إن أدى إلى إزالة خاصية المنع والإلزام في النظام السياسي فهو في الحقيقة قماش أسلمة يستر المحفور من العلمَانية.
التصور الرابع: لا شك بوجود أحكام متعلقة بالنظام السياسي غير أن كونها محرَّمة أو واجبة لا يجعلها قيد التنفيذ إلا بعد أن يقرها الناس ويختاروها. أما قبل اختيار الناس فلا يتم فرض أي حكم مهما كان؛ ليس لأنه غير شرعي؛ بل لأن الفرض السياسي يحتاج هو إلى مشروعية أخرى، وهي تحديداً لا تكون مستمدة إلا من الناس.
هذا التصو ر يقوم على اعتبار أن ثَمَّ مشروعيتين: مشروعية دينية يكون النص هو الذي يفسرها، ومشروعية سياسية تأتي وتُستمَد من الناس، وهذه فلسفة منبثة عن الوعي العَلماني الذي يعزل الدين عن الحكم السياسي فيجعل مشروعيته منفكة عن المشروعية السياسية، وأما في التصور الإسلامي فليس ثَمَّ مشروعيتان؛ إنما هي مشروعية واحدة؛ فما حرَّمه الله فهو حرام على الفرد والمجتمع، وما أوجبه الله فهو واجب على الفرد والمجتمع، فدور الناس هو تنفيذ الأحكام الشرعية لا في تشريعها ابتداء. فالمحرمات الشرعية يجب منعها والواجبات الشرعية يجب القيام بها، والمسلم حين يدخل في الإسلام فإنه ضرورة يكون ملتزماً بأن الإسلام هو الذي يحكمه فلا حاجة لأن يسأل أو يبحث معه عن رغبته في حكم الإسلام.
هذا التفسير يثير شهية العَلمانيين كثيراً؛ لأنه أولاً: ينطلق من ذات الوعي العلماني الذي يقزِّم الحكم الشرعي عن المستوى السياسي،وثانياً: لأن الذكاء العلماني مستوعب أن الناس لا يختارون في الفضاء المجرد؛ وإنما يوضَع لهم الإطار المقيد الذي يصوتون فيه ولا يخرجون عنه؛ فحين يقوم الإسلاميون بإبعاد الشريعة عن الإلزام إلا بعد اختيار الناس فالذي يحصل هو أن الشريعة لم تعد هي التي تضع الإطار، ليكون من السهل جداً بعدها أن تأتي المنظومة الفكرية الأخرى التي تملأ هذا الإطار الذي يصوت الناس فيه، فيكون إطار التصويت بيد المنظومة الفكرية الليبرالية، وحينها فلن يُعرَض الحكم الشرعي - أساساً - على الناس لينظر في اختيارهم؛ لأن الحكم الشرعي سيكون حينها منافياً للحريات والحقوق التي تحكمها المنظومة العَلمانية التي وضعت الإطار الذي يحكم اختيار الناس.
هذه بعض التفسيرات المؤسلِمة للفكرة العلمانية، تتفق جميعاً على محاولة التلفيق بين النظام السياسي الإسلامي والفلسفة العلمانية، لكنها تصطدم بالأحكام الشرعية الملزمة في النظام السياسي الإسلامي، والأحكام المنبثقة من تصوُّر ديني ما عاد محبَّذاً في الثقافة العلمانية المعاصرة، بدلاً من التسليم لهذه الأحكام والانقياد لها وأن يقول المسلم ما أمره الله{إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْـمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور51]، فقد تحوَّلت هذه الأحكام لإشكالية لا بد من إعادة قراءتها وفحصها للخروج منها بالهندام اللائق، وعظمة الله في قلب المؤمن تُرعِد فرائصه وتُرهِب أركان قلبه من التسامح مع أي تحريف لأي حكم شرعيوالغيورون على دين الله من الدعاة والعاملين لنصرة الإسلام هم أَوْلى الناس بتعظيم أحكام الإسلام وتقديرها حقَّ قدرها، وحين يضيق الواقع ويتعسر الحال في تطبيق أي حكم شرعي فلهم في أحكام الضرورة والحاجة مندوحة عن تحريف أي حكم شرعي؛ فالمتغيرات لها اجتهادها الخاص من دون أن ترجع على المفاهيم والمعاني الشرعية بالتغيير والتحريف.


[1] منهاج السنة: 5/130.
[2] ينظر في موقع الجزئيات والفروع من المقاصد: الموافقات للشاطبي: 2/372 - 374.
[3] وقد قيل.
المصدر: مجلة البيان
Découvrez Vite Comment vous allez Pouvoir Maîtriser Aweber en Quelques Minutes

Vous Le savez Toutes et Tous,

Pour REUSSIR sur Internet il faut de Bon Produits ou Services,

Mais Surtout Les Meilleurs Outils Possibles pour Les Promouvoir !

Dans cet Objectif, Nous avons l’immense Plaisir de vous annoncer que la Convergence Marketing en Partenariat avec le Club Business Développement va VOUS présenter ci-dessous un outil Absolument Incontournable pour VOTRE Réussite sur Internet !